-- عقابُ الرّيـش --


لهذا الخَواء الأجْرد المُشين في سقفِ جُمجمتي الناشِف ،
أجدُها دائماً .. ، تجلسُ بفستانٍ سماويٍّ على كرسٍ خشبيّ رفيع الجوْدة ..
فأكونُ أنا تحتَ الكُرسيّ العتيق .. شفرة سيفٍ .. و الموت .
إلمسْني ، سأتفجّرُ بكاءً . سأتَلاشى ..
.. يدُها الكريمةُ تحت ذِقنها ..
و كأنّها تتوقّع شيءً ما منّي ! .

أجمُدُ تماماً و يزدادُ خفقاني المُتصاعِد ،
و في ذات اللحظةِ المغارةِ يتدلّى منها أسنّةُ صخور عطشَى ..
العوْم فوق الحراشِف القفريّةِ ببطن عارية ..
تتغشّاني الذاكرة !

كانت قطنةُ الماء

عود نيران زرقاء يتلولب .. يذكّرني بالعطش

كانت غيميتن سمينتين ..

مخدّتان تتغازلان الصدى الساخر ..

فداريتُ عورتي و خجلت ..

أرى .. ماءً خالداً ..

أرى " هاندل " متكأ على ركبتيه في حجرته ، كان يبكي ..

أرى .. خطّان متعامدان يهبطان على رأسي ..

تتغشّاني الذاكرة !
و هيَ تسابقُ بشغفٍ شاذ أحمَق ، قابضةً الثوبَ بأسنانها من الجهات الأربع ..
خطيئةٌ تتلحفّها حُضنُ خطيئة في تخوم الإثم الولاّد ..
تتوَالى بانتظام صفّ التلامِذة المرصوص و ببطء مُقزّز أجير ،
عارٌ ينقّط عاراً و جُبْنٌ بعد جُبْن ..
بكلّ التفاصيل المُبكيّة الفاضِحة المُتراكِبة منذُ دخولي روضةَ الأطفال و اكتشاف النّاس ..
مليءٌ بالحقْد على رضايَ القديم ..

متأكدٌّ ،
أنها لن تنطِقَ بحرفٍ وهي تشاهدُ الفجيعة الواقِعة في الفراغ ،
فهيَ راقيّة حتّى التّلاشي و صبورَة و رائعةُ الجمال و .. ! .
قدْ تشمئزّ .. لها حقّ البلّور ..

و أنا النّجَسْ .
أنا كذلك .. أنا هكذا .. أنا أنا ..
قدْ تصمُد .. فلا يتبقّى لديها رحم حُزن ..
ترتقبُ الموْت من دون هلَع .. لم يبقى لديها غيرُ تخصّر الفجيعةِ في العود المشوي ..
قدْ ... ..

كيفَ أنْ أثبتَ لها أنني أفتديها ،
أنّني أستحي من النظرِ نحوَ السماءِ الكبيرة ..
ناحية اللّه ..
أستحي من كلِّ الكائنات ..
أنّني أضعفُ منْ أن أضمّها ..
فأعكّرُها لأنقعَ جسدي في قدر حساءٍ مغلي حينها .. و معي كلّ آثام البشر و البقَر ..
هلّ أتطهّر من دنس شحْمي بقذفهِ من السّيارة وأنا مُنطلق ..
مجرّدُ وجودها الهادئ في حجرتِها الإنسيّة تمشّطُ ريشَها الزجاجيّ ،
و تنتظِر ،
يجعلُني كلّ مرّة ،
أتفقّد وجودي وحقيقته وأحقيّتَهٌ و ملمَسهُ و أهليّته .. و كـلّ ما يتصلّ ..
يجعلُني أرى وجْهَ " لوتريامون " الصّغير في مرآة حمّامي ..
كلّ صَباح وانا أتشجّعُ لمواكبةِ الأبرار الى الكُليّة ،
يجعلُني أتمرّغُ كلّ فجر بأسلوبٍ تقشّفيّ و انتقاميّ و انتحاريّ مُريع ..
في أغلال حُجرتي الزنزانيّة المُتشابكة ..
سائلاً غفرانَ الله و النِسيان المَمَصّ ..

 أو الموْت حالاًّ .

< التالي "شيئية السخرية" -- مقتطعات الرّنين -- السابق "السيرة الموثقة.." >