المجموعة الشعرية الأولى لشريف بقنة الشهراني... "مقتطعات الرنين" غواية المستحيل
سيمون نصار
جريدة الوطن السّعوديّة  28/10/2003 - 2/9/1424
 

هذه المرة الكتاب ليس كتابا بالمعنى الدارج وكما تعودنا - نحن المدمنين على الكتب - نفتح الأوراق لنكتشف داخلها ونقرأ شيئا يعجبنا وشيئا لا يعجبنا، جملة نحبها وأخرى لا تلمس ذواتنا، وتبقى العلاقة قائمة بيننا وبين الأوراق، ملمسها، رائحتها، لونها الذي يشير أحيانا إلى قدمها وأحيانا إلى حداثة نشرها وطبعها، ونحن في كل الحالات نقبض عليها كمن عثر على ما ضاع منه.
الكتاب أو المجموعة الشعرية التي قرأتها بعنوان "مقتطفات الرنين" وكتبها شاعر شاب كما تدل على ذلك صورته وتاريخ ميلاده يدرس الطب في جامعة أبها هو شريف بقنة الشهراني، كما يعرف عن نفسه، هذه المجموعة لم تنشر بعد وإن كانت قد نشرت فعلا بذكاء ومن دون توسل دور النشر الكثيرة الشروط والمتطلبات خصوصا حين يكون النشر شعرا، المجموعة نشرت على صفحات إلكترونية على موقع خاص بالشاعر www.buqnah.net ولا أعرف السبب الحقيقي وراء ذلك سوى اعتقادي بأن الشاعر الشاب ربما قرر أن هذه الوسيلة تصله أكثر بمجايليه من الذين يمكثون ساعات طويلة أمام الإنترنت ويعتبرونها أداة وصلهم بالعالم، ومع أني أقدر قيمة الإنترنت بوصفها مركزاً للمعلومات إلا أنني ما زلت أعتقدها وسيلة لتخريب الشعر وتدمير كل الرومانسية في العالم.
السبب الآخر الذي جعلني أستجيب لهذه المجموعة الشعرية المنشورة إلكترونياً هو أنها تتقاطع في روحها وتخيلاتها مع الإنترنت باعتبار أن الأخيرة أيضا من الخيال بالنسبة لشخص مثلي لا يفقه كثيرا في التكنولوجيا، فالغرابة التي يفتح ويغلق فيها الشاعر قصائده تشبه إلى حد كبير الغرابة التي نفتح ونغلق فيها العالم من أمامنا بكبسة واحدة.
يعمل الشاعر في كافة قصائده على زحزحة الأشياء من وضعها الطبيعي ليدخلها في عالم لا ينتهي من الإيحاءات والدلالات الغريبة على الذائقة العامة للشعر حتى الحديث منه كأن يدخلنا في جملة واحدة على عالمه السوريالي (بعد تحلل الرأس في الحقل)، ويلاحظ في معظم القصائد أن ما يهم الشاعر ويحرص عليه هو عدم اقتراب القصيدة من النفعي أو اليومي المباشر، بحيث إن مفرداته في غالبيتها وإن كانت تدل على بساطة في الاختيار إلا أنها تجعل من المسميات تتحرك عبر إيحاءات وإشارات ينخفض فيها المعنى التقريري لتحل محله الأطياف التي تضيء طبقات القول الشعري، على أن تصرف الشاعر بهذه المفردات (أنثى بسيقان رقيقة/ كسرت عند الحافة) وبسواها لا يخلو من شيطنة ملحوظة، فمثلما الطفل المتشيطن مولع بتفكيك لعبه وإعادة تركيبها ليكشف عن وجهها الآخر هكذا الشهراني يتعاطى مع كلماته كأشياء، كأجزاء من لعبة القصيدة ليصنع منها صوره العجيبة والغريبة، وليطرح أسئلة كثيرة لا أجوبة محددة لها (الوحدة هي القدر، الآن/ يخشى أن تكون في القبر أيضا/ ..../ كيف الذاكرة في القبور).
يعمل الشاعر في إبحاره ضد التيار على تشييد هيكله الخاص بحجارة الحقول والبراري والأشجار وبقايا النساء وتحلل الأجساد الميتة والعظام والأعضاء البشرية والحكايات والطقوس والبدايات وهذه الأشياء كلها يوظفها في مهمة محددة هي رفض العالم، فيذهب إلى دمج العلاقات البشرية بعالم الآلة الذي على ما يبدو يتقنه بشكل جيد (قذارة الأنثى/ يشك في واقعيتها/ عند الهبوط الرقمي التدريجي إلى اللهيب المسطر) هنا يأخذنا إلى ذلك العالم، عالم الغرابة وسطوة اللامعقول الذي لا يشبه حتى من هم في جيله، وبمعزل تام عن "قذارة الأنثى" التي لا تنجي نصه هذه المرة من القول المباشر البعيد عن الشعر، يبقى إسقاطها كحدث داخل سياق النص عملاً مفيداً، خاصة أن الشهراني يبحث في سعيه عن نص يكشف عن نمو للمخيلة يتعارض مع السائد من أنماط الكتابة الشعرية، بحيث إن انعدام التجانس بين مكونات القصيدة من ضمن نظرية الإقحام التي يتقنها هذا الشاب من شأنها تحريك التعاطي مع القصيدة نفسها كما يرى ذلك كمال أبو ديب، إذ إن عدم التجانس الذي لا تستسيغه الحساسية الشعرية القديمة لم يعد كذلك، حيث إن تموضع غير المتجانس ضمن نص واحد يخلق الشعرية.
ليس غريبا أن يتجه الشاعر في قصائده نحو عالم الغرابة والسوريالية على عكس أترابه ومواطنيه، فهو يقترب كثيرا في قصائده من غواية المستحيل التي أتقنها قبله إيزودور دوكاس الذي كتب بالفرنسية وفيسنت هويدوبرو التشيلي وخوان بيلائير الفنزويلي وهؤلاء سبقوه على الأقل بنصف قرن من الزمن، ولكن في حالة الشهراني الغرابة آتية من مكونات عالم مختلف في طبيعته وفرادته، فالصحراء التي تلهم الشعراء لكتابة قصائد تقليدية تقف اليوم في مكان آخر هو رنين المخيلة البكر، ورنين الصورة الشعرية المفاجئة، حتى يمكنني القول بأن هذه القصائد ما هي إلا نواة لحالة شعرية جديدة في ثقافة لا ينفذ من تقليديتها إلا القلة.
 

صورة ضوئية للمقال في جريدة الوطن السعوديّة - يوم الثلاثاء 28/10/2003 - 2/9/1424

 

العودة الى الشاعر والتجربة >>

الرئيسية :: السيرة الذاتية :: الأعمال الأدبية :: الشاعر والتجرية :: مواقع الكترونية :: التواصُل

جميع الحقوق محفوطة لدى شريف بُقنه الشّهراني ©  2003 -2006

website stats

  شارك هذه الصفحة / المقالة Bookmark and Share

 جميع الحقوق محفوطة لدى د. شريف بُقنه الشهراني © 2004 -2009