"مقتطعات الرنين"
(كتاب جديد لطالب الطب شريف سعد بُقْنة الشهراني )
الناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت، الطبعة الأولى 2004
د. عدنان الظاهر
كانون الأول ( ديسمبر ) 2004


مقدمة لا بدَّ منها /

كرّستُ حتى اليوم أكثرَ جهودي للكتابة عن كتب شباب قصيدة النثر في وقتنا الراهن. وقد علّمتني تجربتي مع هذه الكتب الكثير. زادت من ثقافتي ونوّعتها وأكسبتني خبرة لا يُستهان به في عالم النقد الأدبي. لم أُجرّب دراسة كتابات ما إصطلح أوائل السورياليين في عشرينيات القرن الماضي على تسميتها بالكتابة الآلية [[ كتاب الصوفية والسوريالية لأدونيس. دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى 1992 / الصفحات 270 – 271 ]]. الكتابة الآلية تعني كتابة الشطحات وما يرشح إلى عالم الكاتب الشعوري من بقايا الرؤى والأحلام ومملكة اللاشعور العميقة الغور في النفس البشرية. ثم عالم التنويم المغناطيسي فضلاً عن الهلوسات بنوعيها الصوفي وغير الصوفي. هذه هي مصادر وأُسس ومُحرّكات الكتابة الآلية.
بقدر تعلق الأمر بي، لم يستطع هذا النوع من الكتابات أن يمدَّ لي أي شكل من الجسور القادرة على أن تنقلني إلى عوالم الكاتب الشديدة الغموض هذه. ولا أن تمهد لأيما أرضية معقولة للتفاهم المشترك والإنسجام وتحسس مواقع الكاتب الساكنة منها والمتحركة، الباردة والساخنة. أقرأ هذه الكتابات فيُخيل إليَّ أنني في وادٍ والكاتب في وادٍ آخر… لا أرى الكاتب ولا هو يراني. يرسم بألوان لا تتحسسها شبكية عيني ويتكلم بذبذبات صوتية لا تلتقطها طبلة أُذني. لا أريد من هذا أو ذاك الكاتب أن يكون واضحاً فيما يكتب، ولا أطلب منه أن يكون شديد الوضوح. بلى، أطالبه أن يوفر لي الحد الأدنى من منطق الفكر ومنطق وفقه اللغة المعروفة والمتداولة بين الناس. بصيصَ ضوءٍ أهتدي به وأنا أخوض ظلام فضاءاته وبعضَ أملٍ يُشجعّني ويدفع بي لقراءته ومن ثم محاولة الكتابة عنه. أطالبه أن يمنحني المقدرة على تفسير مجاهيل عالمه النفساني وأن يسمح لكتاباته أن توحي لي ما توحي. وأن أكون معها قادراً على الطوفان فوق بساط من النشوة والحبور غارقاً في أجواء الدهشة والغرابة المُستَفِزّة. عندئذٍ أستطيع القول إني بإزاء فن وفنان وإبداع ومُبدِع.
الشعر إيحاء متعدد الجوانب دائب الحركة. إيحاء بالرمز والمجاز والصور وحركة الأفعال وحركات الزمن محمولاً على هذه الأفعال ومندمجاً معها وبها. الشاعر عالم ومكتشِف وليس مصوِّر بورنو Porno . الكلام الذي لا يوحي ليس شعراً ولا نثراً. إنه كلام، مجرد كلام. لا أحدَ بالطبع قادرٌ على منع الناس من الكلام ومن حرية التعبير عما يشاءون. فليقولوا ما شاءوا على أن لا يسموه شعراً. حينذاك يكون لزاماً على الكاتب أن يسعى حثيثاً لشق طريقه بين جمهور منافسيه لإيجاد السوق المناسب لترويج بضاعته. خلاف ذلك سوف لن يجد من يقرأه ولا من يسمعه سوى نخبة صغيرة من المثقفين وربما بعض النقاد.
الأدب، لا سيما الشعر،كما نعلم مراحل متداخلة ومتعاقبة يخلف بعضها بعضاً. مر الشعر العربي بمرحلة بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي، شعر الوزن بالتفعيلات
ثم القوافي. ثم جاءت مرحلة سيادة شعر التفعيلة الواحدة التي عاصرتها - لسوء حظها - قصيدة النثرعلى إستحياء أولاً ومن ثم نافستها إلى حد الغَلَبة. قصيدة النثر هذه هي قصيدة الشعر السوريالي الغامض إلى حدود معقولة يسيغها الناقد والكثير من ذوّاقة الشعر. الآن، ما الذي سيأتي إلى عالم الأدب عامةً والشعر خاصةً بعد عصر الكتابات الآلية ؟ ماذا سيواجهنا من فنون كتابية في مرحلة ما بعد الكتابة الآلية ؟ كيف سنتلقاها وكيف سنحاول فهمها والتأقلم معها ومعايشتها معايشة الخليل والأليف والمتذوق ؟ هل يتقبل الحس الذوقي المعاصر كتابات الهلوسة والشطحات وأقصى درجات الفوضى والفلتان في هندسة المنطق اللغوي ثم تشجنات العُصاب وإنفجارات الحرمان الجنسي والثورة على جبروت قوة الكبت التي تمارسها مجتمعاتنا على جيل الشباب والضغوط الفوقية المتعددة الأشكال والسمات، دينية وقومية وإثنية وطائفية وسياسية ؟ هل يتذوق إبن الخمسين مثلاً كتابات إبن العشرين عاماً ؟ هل يفهمها أو يهظم دوافعها ؟ هل يبررها ويدافع عنها ؟ تلكم هي المسألة، لا، بل تلكم هي المعضلة.

-- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- --
ملاحظات حول كتاب ( مٌقتطعات الرنين ):

1- يمكن وضع بعض عناوين مقطّعات الكتاب ( وعددها 36 في 167 صفحة ) تحت عنوان واحد، أي عنوان يختاره الكاتب أو القاريء. لا فرق. فموضوعات البعض من هذه العناوين متشابهة كخط مستقيم. ذبذبات شهيق وزفير الكاتب لها طول موجي واحد، فلا قمة ولا قرار لموجات أنفاس الكاتب ونأمة روح عالمه الداخلي. إذا صففنا هذه الموضوعات جنباً إلى جنب فإنها تبدو لي كمرآة صقيلة مسطّحة وأرض سواء لا سهل فيها ولا جبل فوقها. بيداء من رمل ساكن نادر الحركة أو قليلها.
2- لا مجال للسؤال عن وحدة عناصر مقطّعات الكتاب ولا عن مراميها. ذلكم بطر وعبث ومضيعة للوقت.
3- حين أعجز عن تفسير ما أقرأ من نصوص سوريالية غامضة ألوذُ عادةً بالفرضيات والتكهنات والتوسل بالحواس الخمس المعروفة وبوسائل أخرى للإحساس الإستقرائي الذي ليس له أعضاء أو حواس. هذه الآليات لا تنفعُ أدواتٍ ووسائلَ للإقتراب من هذا الضرب من الكتابة الآلية موضوعة البحث. إنها تقف عاجزة مشلولة أمام هذا اللون من الهلوسة اللغوية وإضطراب موازين العقل وفوضى قوانين الفكر البشري. فما جدوى أن أواصل قراءة ما لا يُقرأ ؟ ما جدوى محاولة رؤية أو شم أو تذوق ما ليس له لون ولارائحة ولا طعم ؟ ما معنى أن أحاول رؤية ما لا يُرى وما ليس له تجسد مادي عياني ؟ لماذا الجري خلف أشباح موتى وجن وعفاريت ؟؟
4- في بعض مقتطعات الكتاب أخطاء (لغوية ونحوية) ليست كثيرة إجمالا.
ملاجظة : أستطيع أن أُعِدَّ جدولاً ضافياً بهذه الأخطاء مع تحديد أرقام الأسطر والصفحات.

-- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- --
كلمة إنصاف بحق الكاتب :

1- شريف سعد بُقنةْ الشهراني صوتٌ إنسانيٌّ جريء صافٍ صفاء البللور، طلع علينا – يا لغرابة بعض أمورنا ! _ من قلب المملكة العربية السعودية. أتانا صارخاً متحدياً يعرّي الفرد السعودي ويجرده مرةً واحدةً من كل ما يحيط بجسده من ملابس وكل ما يحيط به من تقاليد موروثة وعادات ومنظومات فكرية وإجتماعية (( يرفعُ مِعولاً لخفّته فيحطّم فرعنة أهرام التراث / الصفحة 86 )). صرخة إحتجاج عالية المقام ضد الكتابة وضد كتّاب السلطان وضد المؤسسات السياسية المهيمنة. في رأس هذا الشاب طالب الطب ثورة عاصفة مزلزلة. أتساءل وفي رأسي لوحات عريضة لنتائج وعواقب تحولاّت الزمن : ماذا سيكتب شريف وكيف سيكتب حين يبلغ الخمسين من العمر ؟ هل سيبقى ذلك الثائر المثالي الملتصق بجذع نخلة داره في بلدة (خميس مُشيط ) السعودية ؟ أم أنَّ الممارسة الطويلة لمهنة الطب ستنسيه المثالَ وتُلهيه عن الدوران في أفلاك مغامرات الثورة الإجتماعية ؟؟
2- شريف ( حتى كتابته كتابه موضوع البحث ) مع العدالة الإجتماعية ومع حقوق الفقراء والمستضعفين في الأرض (( أنا مسيرةُ العبيد الصلع / ص 30 )) (( بدورانٍ أبديٍّ أتفرّسهُ أنا.. في سراديب فقراء الأرضِ وجوعى الأرض في الميادين العامة المنيرة / ص 123 )) (( يحملُ فاقةَ الأرضِ تحت أضلاعه / ص 142 )). ثم إنه علانيةً – كطالب علم وطب – مع السلام وضد كل عوامل ومسببات التشويه والإنحراف في الحياة (( حتى لو وضعك أنصارُك في جنّة. بين الأرض وما وراء سماء. لن تجدَ السلام الحلال / ص 73 )). إنه داعية حقوق مدنية كمارتن لوثر كينغ ونلسن مانديلا. تؤرقه كثيراً الأوضاع الشاذة التي تسود بعض مظاهر حياتنا العربية. إنه حين يعرّي المنافقين والمشعوذين وسادة الثراء والبطر يبقى في ثورته مع دينه النقي ومع ربه (( أنا الصلصالة المُلَقّحةُ بإثمها على قارعة طريق السادة.. من هم ! عليهم لعنةُ الله ! أُجابهُ نشارة زجاجٍ في مائي.. هذا الظلمُ والخداع بعين أمه.. عليهم لعنةُ الله ! / ص106 )).
3- وإنه مع براءة أخيه الإنسان الفطرية ومع عفوية الإنسان العارية عُري أبينا آدم وأمنا حواء. لذا فإنه لا يخجل - ولماذا يخجل - من ذكر بعض أعضاء جسم الإنسان – بسخرية شديدة المرارة - ومن ذكر وظائف هذه الأعضاء التي قد تبدو للبعض منا مُقزِّزة أو مخدّشة للبشرة الناعمة الحسّاسة. ثم إنه طبيب وأمام الطبيب تتكشف الأسرار وتنجاب الحُجُب. (( من رأى العورةَ فقدَ البراءة / ص12 . براءة القيح من خبث فتية الشيطان الصعاليك، أخجل أن أشهدَ مخاضه المُضني في سوائلي / ص 19 .
جشعُ الضرورة الشَره يومضُ الشرارةَ في مؤخرتي / ص 20 . في أوقات الفشل يمُارسُ ضرورة البشر.. يضربُ الأيامَ بسوط الدعارة في الحانة الكافرة ويقسو /
ص 21 . شَبَقٌ برائحة، حيوانٌ يلعقُ العورة، أنانية مُتجرّدة / ص 22 . فقدان سيطرته على أعضائه يُحيّره / ص 22 . يتشفّطُ مالاً وفَرْجاً، فيُضيءُ حركة قرية
/ ص 23 . فيلومُ إناث العالم ويشتُمُ.. يُريهم القفى " الصواب : القفا / ص 49 .
يُخفي التغوّط / ص 50 . يُباغتها الغائطُ فتنسحبُ لدقائق / ص 55 . مخدتان تتغازلان الصدى الساخر.. فداريتُ عورتي وخجلت / ص 78 . في هذه النماذج ما يكفي لتوضيح مقاصدي )).
4- الكتاب هو إعترافات شخص متأزم إلى حد إضطراب بعض أجزاء المنظومة العصبية المركزية. شريف يعترف بشجاعة الداعية والمقاتل المقدام. يعترف قبل كل شيء أمام نفسه، وأمام الملأ جميعاً عَلانيةً وعلى رؤوس الإشهاد. إنه لا يعترف جالساً وراء أبوابٍ مغلقةٍ خائفاً مُرتَجِفاً يُعدّدُ أخطاءه وذنوبه أمام راهب أو قس. ليس للبريء ذنوبٌ يخاف منها فيجري مُسرِعاً نحو الآخرين طالباً للخلاص منها الدعاءَ والرحمةَ والغفران. إنه قادر على كشف عيوبه وتعريتها أمام مرآة النفس الصادقة وأمام الملأ.
في النموذج التالي الدليل الرائع على جراءة هذا الشاب وتحديه للأعراف والتقاليد السائدة إلى حد الخروج… (( أنْ تُعلَن اللعنة.. تلك الجرأةُ، بأنْ تقذفها تتلولب عليهم جمعاً تتمّرد.. صلّيتُ آخرَ فرضٍ.. الآن أُريدُ رائحةَ العَرَق ! الآنَ أدركتُ
مكانةَ القوّة.. لبستُ نيتشه / ص 146 )). لم يذكر الفيلسوف الألماني نيتشه في هذا المقام صدفةً أو عَبَثاً، ذكره لأنَّ هذا الفيلسوف هو صاحب الصرخة المدوية الشهيرة (( مات الله )).
5- إذا كان أغلب ما جاء في كتاب شريف ما يمكن تصنيفه في باب الفوضى، فإنَّ ثمّة قانون كيميائي يُدعى إنتروبي ( Entropy ) يقرر أنَّ للفوضى درجة وقدراً من النظام. كما يقرر بعض الفلاسفة أنَّ من قلب الفوضى ينبثق نوع من النظام والتناسق. وعلى القاريء أن يجدَّ في البحث عن هذا النظام في كتابات شريف سعد الشهراني.

-- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- -- --
نماذج قابلة للتفسير، حسب زَعمي

ملاحظة : ليس بالضرورة أن يتفق معي الكاتب شريف أو القاريء حول تفاصيل وطبيعة قراءاتي وتفسيراتي لهذا المُقطّع أوذاك. لكلٍّ تفسيره ولكل إجتهاده. لكم دينكم وليَ ديني.
من المُقطَّع المسمى " عقاب الريش " ( الصفحات 79,80,81 ). ليس واضحاً هل العنوان " عِقابُ الريش " أو إنه " عُقابُ الريش " والفارق بينهما جدَّ كبير. الفارق هو الفرق بين العقوبة وطائر العُقاب. ثم إنَّ جمع " عَقَبة " هو عِقاب. على أية حال.
" …
إنني أستحي من النظر نحو السماء الكبيرة…
ناحية الله…
أستحي من كل الكائنات…
إنني أضعفُ من أنْ أضمها…
فأعكّرها لأنقع جسدي في قدر حساء مغليٍّ … ومعي كل آثام البشر والبقر…
هل أتطهر من دنس شحمي بقذفه من السيارة وأنا منطلق…
مجرد وجودها الهاديء في حجرتها الإنسية تمشّط ريشها الزجاجي،
وتنتظر،
يجعلني كل مرة،
أتفقدُ وجودي وحقيقته وأحقيته وملمسه وأهليته… وكل ما يتصل…
يجعلني أرى وجه " لوتريامون " الصغير في مرآة حمامي…
كلَّ صباح وأنا أتشجع لمواكبة الأبرار إلى الكليّة،
يجعلني أتمرغُ كل فجرٍ بأسلوب تقشفي وإنتقامي وأنتحاري مريع…
في أغلال حجرتي الزنزانية المتشابكة…
سائلاً غفرانَ الله والنسيان الممَصَّ…
أو الموت حالاً…"

أقرأُ في القصيدة ما يلي :
أولاً / إعتراف وطقس عبادة أمام الله.
ثانياً / التبرؤ من الدنس البشري ومن ( آثام البشر والبقر ).
ثالثاً / إنه يطهّر نفسه من نفسه ( أتطهرُ من دَنَس شحمي… )
رابعاً / ثم يقفزُ فجأةً من أجواء التطهر والتعبد هذه فينتقل بنا إلى عالم المرأة. يتخيلها ملاكاً ولكنها مَلَك من طبيعة البشر… إنها تشغل حجرةً عادية من حُجرات البشر المألوفة مشغولةً بتمشيط شعر لا يشبه شعور بنات حواء : إنه ريش شفاف من الزجاج. قد تكون هذه المرأة واحدة من حور الجنة العين الموصوفات في القرآن الكريم.
خامساً / إنتقل شريف نقلة أخرى فجائية من عالم الملاك المُتخيَل إلى عالمه اليومي، الروتين اليومي. لكنَّ هذه الإنتقالة مشروطة ومرتبطة بآخر متخيلاته : الفتاة ( قد تكون إحدى زميلاته في الدراسة أو مجرد جارة ) …جسر ينقله إلى فضاءات العلم وطلب المعرفة. تنقله إلى زملائه الطلبة وإلى أجواء الدراسة في كلية الطب. المرأةُ – الملاكُ – حوريةُ جنات الخُلد هذه تأخذه إلى أو تساعده على النزول إلى عالم البشر، إلى عالمنا الأرضي. هذه المرأة – المَلَكُ لم تعصِ أمراً لربها ولم تأكل من شجرة الخُلد والمُلك الذي لا يبلى، كما فعلت قبلها أمُنا حواء إذ أصغت لما وسوس إبليسُ لها ولأبينا آدم فأكلا من الشجرة المحرّمة فحقَّ عليهما عِقاب الرب. (( فوسوسَ إليه الشيطانُ قال يا آدمُ هل أدلّكَ على شجرةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يبلى ( سورة طه، الآية 120 ). فأكلا منها فبدتْ لهما سوآتُهُما وطفِقا يخصفانِ عليهما من ورقِ الجنّةِ وعصى آدمُ ربّهَ فغوى ( 121 ).(( قال اهبطا منها جميعاً بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ فإمّا يأتيَنكم مني هُدىً فمن إتّبعَ هُدايَ فلا يَضِلُّ ولا يشقى / سورة طه، الآية 123 )). المرأة هي الواسطة بين السماء والأرض. بين الخالق والمخلوق. هي السُلّم ثنائي الإتجاه المتعاكس يرتقيه الإنسان في رحلته نحو ملكوت السماء وينزل به إلى الأم – الأرض. الولادة تجلٍ وصعود نحو السماء للإندماج بالخالق. أما الموت فإنفصالٌ فعدمٌ فنزولٌ إلى باطن الأرضين ( الهاوية.. أُمّنا وأُمنا الهاوية ).
لقد أوجز شريف سعد الشهراني في قصيدته هذه أهم عناصر وجوده الراهن : التعبد لله والتطهر من الدنَس البشري. المرأة. ثمَّ الإنكباب على مواصلة طلب العلم ودراسة الطب. الله / المرأة / العلم. الله خالقه والمرآة أنجبته، والإنجاب خلق، ثمَّ إنَّ العلم نوره وسبيله في العروج نحو السماء ( العلمُ نورٌ ).
ذكر شريف والدته في كتابه مرّاتٍ عدّة. ذكرها أُمّاً ولدته ورمزاً ومثالاً لجميع النساء. ذكرها بكل خشوع وحب يقربان من التقديس. ففي المقطع الذي يحمل عنوان ( غواية الملساء ) وحده ذكر أمه أربع مرّاتٍ. وحين تعرّض لذكرها في إحدى المناسبات تهيأَ لي أنَّ شريفاً يتيم الأم. في الإهداء إشارة قوية لذلك (( إلى أُمّي في ريشها الأبيض نحو السماء…)).

قرع صفيح
الصفحات 117، 118، 119
يتكون هذا المُقطَّع من جزءين. سأدمج الأسطر كافة مع بعض للتركيز وإختصار عدد صفحات دراستي هذه. وسيظلُّ هذا دأبي مع بقية المُقطَّعات. رأيت ذلك لا يُسيء إلى النص أبداً. ثمَّ، سأنقل ما كتب شريف حرفياً، وحين أرى خطأً ما أشير إليهِ وأُثّبِت الصحيح بإزائه.
"- 1 -
غلّفَ أمله بجليد إختلسه من مذبحة الحدّاد.. وضعه تذكار الطفولة على رف الأسرة..بل فكّر في إحراقه ورميه في نفايات الحيل والأكاذيب البيضاء.. سلَّ الصبر المُصفّح بصدف الشمع الأحمر من الغمد الرصاص، فيُسمَعُ صوت الإنخراش والإحتكاك الزلزالي.. تأوهات ولادةٍ قيصرية بطيئة.. تدرّع.. فولاذٌ لا يُصهر.. فارسُ القرون الوسطى يتمنى نمراً.. فليلمسهُ أحدُهم وسيتمزق.. لا يبكي.. لا يستحمُّ في جنّة نساء.. يبحثُ عن مُشكلة.. يحفّرُ عن مشكلة.. يتمنى مشكلة..
فقط ليقرعَ المدفع بقرونه وذنَبه.. ليتفرّغ !.
عشقَ الصبرَ.. مُتفحّم عجيب.. يعيشُ من دون أن يتنفّس وينجح مثل مِسمار بغيض.. حسرةٌ حقيقية عند الأطفال والبُرتقال وعندي..
- 2 -
ثَمّة طيبة باقية في قصعة جليده..فهو يوسوس.. على الأقل ! الوسواسُ عن هذه القطيعة، أن يكونَ شيءُ ( الصواب : شيئاً … خبر كان يكون، المبتدأ : هو ) فاته عندهم.."

قرائتي الخاصة لهذا المقطّع : في الجزء الأول إشارات واضحة تُنبيء عن شعور عميق بالإحباط وعبثية ولا جدوى الحياة. تقوى هذه الإشارات حيناًوتضعف أحيانا. عنوان المقطع نفسه " قرعُ صفيح " يحمل الكثير من الدلالات، يمهّد لها ويهيء الأجواء المناسبة لرسم وتتابع مسلسل الخيبات والإحباطات وسخف مرامي الإنسان. يُذكّرني العنوان برواية الكاتب الألماني المعاصر غونتر كراس Grass . المسماة " طبل الصفيح ". الصفيح هو " التَنَك أو الجينكو " وهومعدن رخيص. إفتتح شريف مقطّعَ " قرعُ صفيح " بالكلام عن أمله، الأمل الذي لا رجاءَ فيه أو منه. غلّفه بجليد ولكن أي جليد ؟ جليد " إختلسه من مذبحة الحدّاد ". نحن نعلم أن عُدّةَ الحداد هي النار وليس الجليد. الجليد لا يُطوِّع حديد الحدادين، إنما النارُ. لفظة الحدّاد مشتقة أصلاً من الحديد. الحديد هو مادة الحداد ومهنة الحدادة. فما معنى " جليد الحدّاد " ؟ الصورة مهتزة وتأليفها ضعيف، إلاّ إذا سلّمنا جدلاً أن الكاتب أراد أن يُلمِّح مجرد تلميح سريع إلى جَلَد الحداد وصبره على نار الكير. أو أراد أن يذكّر القاريء بمتانة وصلابة جِلْد الحداد وشدة إصطباره على حروق النيران وتحمله ثِقَل مطارقه. نفهم المسألة حسب هذه الفرضيات أنَّ شريف قد قلب السياق الأصل القاضي أن تكون كلمة الجليد صفةً للحداد ( الحدادُ الجليدُ )، صاحب الجَلَد والبأس. قال أبو العلاء المعري يخاطب خاله ( وكان قد سافر إلى المغرب ) :
أبالإسكندرِ المَلِكِ اقتديتم
فما تضعونَ في بلَدٍ وِسادا
لعلك يا جليدَ القلبِ ثانٍ
لأولِ ماسحٍ مسحَ البلادا
نتابع مسيرة ومسار أمل الكاتب شريف الشهراني. كان أمله هذا أحد تذكارات طفولته، أراد تناسيه فوضعه على رف أسرته. بل وأراد أن يحرقه ويرميه في مزابل الحيل والأكاذيب البيضاء ( كيف تكون الأكاذيب بيضاء، وهل هناك أكاذيب سود وأُخَرُ بيض ؟ ).
بعد أن وضع أمله على رفوف النسيان، إنتقل شريف إلى موضوعة أخرى : الصبر. مع الصبر يضع الكاتب أمامنا لوحة من العناصر وبعض مشتقات الكيمياء. نقرأ، بعد الصفيح، الشمع الأحمر والرصاص والفولاذ. يُستخدم الشمع الأحمر كما هو معروف مادة لختم وإغلاق الرسائل. فضَّ ختمَ الشمع الأحمر وأخرج صبره السجين في غمدٍ أو قمقمٍ من الرصاص. حسناً، ولكن أي دور سيلعب هذا الصبر بإزاء الأمل الذي طواه النسيان ثم حوته براميل القمامة ؟ خروج الصبر من كهفه الرصاصي شبيه بعملية ولادة قيصرية، أي ولادة متعسّرة يكتنفها الكثير من المصاعب. ترك الصبر والإقدام على المواجهة عملية صعبة محفوفة بالمخاطر، فماذا سيفعل " هاملت " القرن الحادي والعشرين هذا ؟ أنا أدعوه " هاملت " بينما يُفضّل شريف أن ينتمي إلى عهود فرسان القرون الوسطى. فرسان مدججون بدروع الفولاذ الذي لا ينصهر. حَسَناً، ولكن ما بال هذا الفارس ( يتمنى نمراً ) ؟ هل أراد أن يقول إنَّ هذا الفارس نَمِرٌ أو في شجاعته وإقدامه هو كالنمر ؟ ومن ذا يجرؤ على الدنو من نَمِرٍ ؟ النمر يمزق من يحاول لمسه.
أخذنا شريف في هذه الأجزاء من " قرع الصفيح " في رحلة معقدة الأجواء متشابكة الأحوال. فقد تنقّل بخفةٍ ومهارة من معالجة أمل مركون على الأرفف، لا أملَ فيه، إلى صبر عنيد عصي على الممارسة. ثم وضعنا ووضع نفسه أمام مشهد مثير فيه الكثير من التحدي : تحول إلى فارس متدرعٍ بالفولاذ. ولكن لماذا التحدي ورفع السلاح في الفضاء الخالي واللجوء إلى بطولات فرسان القرون الخالية وتقليدهم والتشبه بهم ما دام شريف قد تخلّى عن آماله طوعاً لا كُرهاً ؟ يترك الأمل ثم يجد الصبر على ذلك شديد الصعوبة. تذكّرَ فضيلة الصبر بعد أن فقد الأمل. فليصبرْ ، والصبرُ مفتاح الفَرَج. والصبر درع من فولاذ يدرأ الموت عن فرسان الوغى ويصدُّ طعنات الأعادي. أرى شريفاً في هذه الصورة تماماً مثل " دون كيخوت " … بطل معارك طواحين الهواء بحصان هزيل وسيف من خشب. سوى أنَّ شريفاً محصّن بدرع من فولاذ، ولكن لِمَ ؟ ليس أمامه أعداء أو خصوم يحيطون به من الخارج، إنما أمامه نفسه، ضعفه الداخلي، تخليه طواعيةً عن آماله. مرةً أخرى نقرأ في هذه المُقطّعة ثلاثيةً من تكوينات أُخر : الأمل / الصبر / التحدي والوقوف على الأُهبة. هل في حياة شريف إخفاقات جدية ؟ نكبات ومصائب ؟ أظن ذلك، كتاباته توحي لي بذلك.
ما زلنا في الجزء الأول من مقطع " قرعُ صفيح " وما زالت صورة الفارس حيةً في مخيلتنا. فلنتابع معاً : الفارس البطل الذي أضاع آماله وتدرّع بصبر من نوع فريد… هذا الفارس القوي الشكيمة لا يذرف الدموع على ما قد ضاع منه. لا يطلب السلوان باللجوء إلى النساء على طريقة الشاعر نزار قباني (( الجنسُ كان مُخَّدِراً جربتهُ // لم يُنهِ أحزاني ولا أزَماتي )). لا يبكي هذا الشاب الجليد القلب على الأطلال كما فعل قبله إمرؤ القيس ولا ينتحب. على العكس من ذلك : إنه يخلق لنفسه فلسفة خاصة للنسيان. إنه يبحث عن أنماط خاصة من المشاكل دواءً وعلاجاً لروحه التي خسرت الأمل ولم تستطع التعزي بالصبر. تحضرني أغنية مصرية تقول كلماتها (( يا عطّارين دلّوني // الصبر فين أراضيه )). المشكل يمحو المشكل أو يخفف من شدّة وقعه على النفس البشرية. قال أبو العلاء المعري شيئاً قريباً من هذا :
فإني رأيتُ الحزنَ للحزنِ ماحياً
كما خُطَّ في القرطاسِ رسمٌ على رسمِ
أو كما قال نزار قباني :
كما تطردُ الغيومُ الغيوما
الغرامُ الجديدُ ينفي القديما
فارسنا هذا، وهو في عز شبابه، متقلّب الأحوال ما بين يأس من أمل وصابر صبر الفولاذ عليهِ وغير نادم… هذا الفارس ( هاملت… دون كيخوت ) إهتدى إلى حل يُرضيه، حل يُنسيه ما قد أضاع. حل جديد عليَّ وعلى باقي قرّائه. فليتقحّمْ المحظور وليبحث عن مشكلة تنسيه مشاكله الأخرى. الحزن الجديد يمحو القديم. والغرام الجديد يطرد القديم.
((… لا يبكي.. لا يستحم في جنّة نساء.. يبحثُ عن مُشكلة.. يُحفِّر عن مشكلة.. يتمنى مشكلة.. فقط ليقرعَ المدفعَ بقرونه وَذَنبه.. ليتفرّغ ! )). قال فارسٌ آخر قبل شريف مثل هذا القول. قال أبو فِراس الحمداني :
أراك عصيّ الدمعِ شيمتُكَ الصبرُ
أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ ؟
بدأ شريف مقطوعته هذه بقرع صفيح، لكنه إنتهى بقرع مدفع، يقرعه لا بسيف ولا برمح من رماح أبي الطيب المتنبي (( والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ )) ولكن… يقرعه بقرون وذَنَب ثور، من ثيران المصارعة في إسبانيا…ربّما. أجد هنا صرخة مدوية ضد عالم الحروب. ضد المدافع وكافة أنواع الأسلحة التقليدية وغير التقليدية. الفارس، شريف، يقاتل مشعلي نيران الحروب بوسائل بدائية. يقاتلهم بقرون حيوان مسكين. يُكسّر المدافع بالقرون لأنه لا يمتلك أسلحة فتّاكة يجابه بها أعداء الإنسان. إنها صرخة في وجوهنا جميعاً تهيب بنا جميعاً أن نهبَّ للدفاع عن السلام على الأرض وأن نصون شرف الإنسان ونقاءه… حتى ولو بأبسط الوسائل والإمكانات. أخي الإنسان : قاتل أعداءك بما تملك. وإنْ كنتَ لا تملك شيئاً فقاتل بحيواناتك. الحيوان رمزٌ للحياة. إجعل من اللحم والعظم، بل
وحتّى ذَنَب الثور، سلاحاً تواجه به الحديد والبارود والقنابل النووية والهايدروجينية وقنابل النابالم والنيوترون. لقد قدّمَ طالب الطب شريف الشهراني كتابه لي بكلمتين سَحَرتاني ((( نورٌ وسلامٌٌ ))). سلامٌ عليك شريف يومَ وُلِدتَ ويومَ تُبعَثُ حيا. هل هناك ما هو أبلغ من هذا الإهداء ؟؟ نورٌ في الأعالي وسلام على أُمّنا الأرض.
أنتقل إلى بقايا الجزء الأول. لقد كرَّ شريف فذكر الصبر الذي وجده ذات يومٍ مستعصياً. عشقه. يعشقه حدَّ التفحّم، حدَّ الموت محترقاً فيه وبهِ.
لإستغلاقهما وبعدهما عن منطوق وسياق ما سلف، سأغامر في ملاحقة السطرين الأخيرين من هذا الجزء. أجد نفسي عاجزاً عن إستيعابهما. أُعيد كتابتهما لتيسير الأمر على القاريء طالِباً منه العون والرحمةَ والمغفرة : (( يعيشُ من دون أن يتنفس وينجح مثل مِسمار بغيض.. حسرةٌ حقيقية عند الأطفال والبُرتقال وعندي ..)). كيف يعيش الإنسان دون تنفس ؟ يتنفس حتى من يموت سريرياً كما يعرف طالب الطب شريف. الأشجار لا تتحرك حركة إنتقالية لكنها تتنفس ليلاً ونهاراً. ما الذي يوحيه لي ( نجاح مسمارٍ بغيض ؟ ) ينجح المسمار حين يخترق هدفاً : جداراً أو خشبةً أو جسداً أو ما شابه ذلك. ولكن لا يمكن أنْ يُعزى مثل هذا النجاح إلى المسمار ذاته، إنما هو نجاح ضارب المسمار، الإنسان، النجّار أو الحدّاد. فمن هو هذا المسمار إنْ كان رمزاً لشخص وما أو من هو الهدف المضروب ومن هو ضارب المسمار ؟ على شريف أن يُجيب، ولا عليه أن يُجيب.
(( حسرةٌ حقيقية عند الأطفال والبرتقال وعندي )) : هل أراد شريف أن يقولَ إنَّما فاكهة البرتقال نادرة وإنها أُمنية الأطفال الفقراء كما هي أمنيته ذاته ؟ هل عندئذٍ يمكننا إعادة ترتيب الكلمات في هذه الجملة كيما تستوي (( البرتقال حسرة حقيقية عندي وعند الأطفال )) ؟ لا أحسب شريفاً إلى هذا الحد من الفاقة والعَوز. إلاّ إذا إفترضنا أنَّه يقصد مشاركة الأطفال الفقراء همومهم وجوعهم وأمانيهم في أن يأكلوا شيئاً من هذه الفاكهة المبتذلة، غير المحرّمة. ذلكم غير بعيد عن جوهر هذا الإنسان الذي إكتشفنا في تضاعيف ما كتب وما قد نشر. أزعمُ أن ( البرتقال ) جاءت من باب التسجيع رديفاً لكلمة ( الأطفال ). وإلاّ ففي مُعجَم الأسماء أنواع وأشكال شتى من الفواكه، فلِمَ إختصّ البرتقال دون سواه ؟. قوة تأثير سحر السجع على شريف كما سنرى.

المُقطّع المسمى " نقطة "
الصفحات 123 – 126 من الكتاب. سأدمج السطور كما فعلتُ سالفاً :
"أسمعُ ذلك.. أسمعه بتركيز.. وثبات إعتدتُ عليهِ.. فأتنحى بعيداً من أُمّي وحبيبتي وأترقّب، أترقّب، فإذ بي أُعاود الإلتصاق بالأرض، ألحسُ وأزحف.. أزحفُ في الكهف وليس من شف..! أزحفُ وأنحفُ أين الملحف..! أزحفُ فألتفُّ.. أزحفُ وأنشفُ فإستحلفُ معطف (( هكذا وردت.. الصواب : فأستحلف معطفاً ))..! أزحفُ أستنزف (( الصواب : أنزف وليس أستنزف . الفعل نزف فعل لازم بينما الفعل إستنزف فعل مُتَعَدٍ، يتعدى إلى مفعول به )).. أزحفُ وأتشففُ فأكونُ المتحف.. أزحفُ وأقطف أزحف وأرهف أزحف.. أزحف بالكتف.. أزحفُ وأنصف أزحفُ وأخرف أزحفُ.. أزحفُ وأتلف.. أزحفُ وأعطف.. أزحفُ وفقط.. أزحفُ..مزاولاً توبةً وتكفير.. أزحفُ.. أزحفُ.. أزحفُ.. الله.. رحيمٌ رحيم،رحيمٌ رحيم.. غيرَ هذه الخطيئة، إلى يوم القيامة."
ما الذي الجأ الكاتب شريف إلى لزوم حرف الفاء تقفيةً وتسجيعاً ؟ ولِمَ الإسراف في ترديد الفعل ( يزحف ) ؟ لماذا الزحف ؟ لقد أوقعه هذا الإلتزام في أخطاء لغوية كان بإمكانه تجاوزها لو لم يُسرِف ويقع تحت غواية الرنين الصوتي للسجع بالقوافي. إنه نوع من سجع, إنه – بالنسبة لي – نوع من الدعاء أو الصلاة.
نحن هنا إذن بإزاء أمرين أحدهما غاية في الطرافة والآخر غاية في الخطورة. حصيلة جمع الأمرين هي توظيف السجع اللغوي لخلق مُناخٍ من التعبّد روحي الطابع. ثم الإيحاء بالقدرة على تقليد المقدّس والموروث، وذلكم أمر مسبوق وليس فيه من جديد : اللغة وبعض خصائصها في خدمة الدين.
هل كان في رأس شريف أمرٌ أخر حين كتب هذا النص ؟ ليس في الوسع سؤال النائي، لكن في المستطاع محاولة قراءة ما تحت وما بين الكلمات والسطور.
ومحاولة ( تشريح ) جسد صاحب النص والولوج إلى بُطينات وأُذينات فؤاده. ثم هناك دائماً جزئيات دقيقة في أيما نص أدبي لا تراها العين المجرّدة. قد يُخفيها صاحبها عنّا وربما يجهلها هو نفسه ولا يظهر عليها ساعة كتابة النص. علينا والحالة هذه أن نمد له يد العون. أن نكشف له ما خفيَ عنه. أن ندله على أماكن ومكامن معادنه الثمينة. أن نزوده بالعدسات المُكبرّة ( مايكروسكوب ) كيما يرى من خلالها ما لم يكن ليرى بدونها. عيوننا كأحاسيسنا، ليست قادرة على رؤية أو إلتقاط كافة الأشياء والظواهر والحركات والمعاني. كاتب النص إنسان أولاً وآخراً. وفيه من نقاط الضعف ما في أخيه الإنسان. فلنساعده ولنرحمه
والرحمة لمن يتحلون بالرحمة كما قال يوماً أحد الشعراء الإنجليز ( بايرون ).
سأكتفي بهذا القدر فيما يخص مقطّعة " نقطة " تاركاً للقاريء الكريم حرية تقصّي وفهم ما جاء في أجزائها الأولى، فإنها في نظري تندرج تحت عنوان الكتابة الآلية، الكتابة التي لا تفهمني ولا أفهمها، لا تحبُّني ولا يحبُ ناقتها بعيري
(( أُحبها وتحبني ويحبُ ناقتها بعيري / لشاعر مجهول )).
في ضوء منهجي الحالي من الممكن تفسير وقراءة إثنتين من مقطّعات الكتاب هما
( غواية الملساء ) و ( فكرة التلميذة ).
مقطّعات عصيّة على الفهم :
في الإمكان إيراد بعض النماذج العصية على الفهم والتي أُصنّفها تحت باب الكتابة الآلية. سوف لن أُغامر بمحاولة شرحها أو تبسيطها للقاريء. ذلكم ضرب من المحال كما أحسب. يقولون إنَّ الشعر لا يُفسَّر. ويقولون لا تسألوا الشاعر أو كاتب النص عن تفسير ما يقول. ويقولون لا تطلبوا المعنى في الشعر. ولا تتحروا المنطق والمعقول وقوانين العقل. الشعر دهشة وتغريب وأسئلة حائرة تبقى دونما أجوبة. الشعر سراب وأحلام وتصوف وهلوسات مجانين أو نصف عقلاء.
يقولون ويقولون فدعهم يقولون ما يقولون ولكن، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله !! الشعر شعر، على عيني ورأسي، ولكن ما بال فذلكات الكتابة الآلية ؟ خاصّةً إذا عجزت عن أن تمدني أو توفر لمخيلتي أي ضرب من الإيحاء والإستنتاج وخرق حجب الغيب ورؤية مدن وعوالم لا وجود لها على سطح الكرة الأرضية. الشاعر ساحر وليس مجنوناً فقط. الشعر مزيج من السحر والجنون لا ينفصلان. الفصل يعني السقوط في مهاوي الشكلانية والتقريرية والطفو على سطح ماء راكدٍ آسنٍ وتشكيل صور باردة ساكنة لا روح فيها ولا حرارة ولا حركة. هذا كلام عام لا أختصُّ به أحداً بعينه من الكتّاب أو الأدباء أو الشعراء. أعود لما أحسبه عصياً على الفهم والتفسير.

نماذج من الكتابات الآلية في كتاب " مُقتطعات الرنين "

القسم الرابع من مقطّعة " شيئيةُ السخرية " الذي يحمل عنواناً فرعياً هو " خروجٌ عن النص " . سأكتبه حرفياً كما هو في النص دونما تعليق على ما فيه من أخطاء لغوية :
"الرقبةُ خشبة.. لا أُريدُ رقبة
صدرٌ مسرح.. ورأسٌ مجزوزة.. أريدُ مجزرة سحيقة ومعي
حمارٌ وحشي أضلاعي وخطوطة اتحادة..
الأزرقُ فكٌ.. والبني وحل.. الأصفر شيطانة
والقمريّ محارة..
أريدُ صورة مهترئة لجدّي السابع..
إنني أسيح..
ألا تخجل الدقائق الكروية المنهالة..
بطني منتفخة.. والبلاستيك أحمق..
إنني مكعب.. أكرة الزوايا..
إنني صداع..متى يتزوّج..
الفم مغارة.. فيها الخرابة..
أين ماما!.. الشعر غادر وترك العمامة..
الصراصير في الرقبة.. لا أريد رقبة..
كلاب الحارة نائمون.. بأثدائهم يرضعون.. هل من
سكون..
أين ماما.. لا أريد رقبة.. وصدرٌ متفسخ.. سأفجّر
العمارة..
الشنبُ قنّب متعفن.. سأركبُ السيّارة..
المعصم يتلوّى بكل فجارة..
نظّارتي إشارة..
أين ماما !
بطنُ ماما..
أم أنت فخرافة.. فشعركُ طويلٌ كما أتذكّر..
أنت نائمة ! إصفعيني كفّاً يا أنوثة غابة..
أنت خرافة.."

هل أسأل القاريء الكريم أن يساعدني على فهم هذه التخليطة العجيبة من كوابيس الأحلام وأحاديث الأطفال حديثي العهد بالنطق ورصف عشوائي لكلمات بإزاء أخرى حتى يختلط الحابل بالنابل فيتيه القاريء في بحر لجيٍّ من الحيرة وخيبة الأمل وضياع وقته سدىً فيما لا جدوى منه ولا طائل ؟ أليس من حق القاريء أنْ يتساءل عن ماهية ونوع وهوية هذا الضرب من الكتابة ؟.
الطريف في هذا الجزء أن السيد شريف إلتزم – كأبي العلاء المعري – ما لا يلزم، أي إنه إلتزم لا برويٍّ واحدٍ وقافية حسبُ، إنما برويين وقافية ( الألف والراء والتاء المدوّرة أو المربوطة ). أقصد الكلمات التالية حسب تسلسلها في النص : محارة.. مغارة.. عمارة.. سيارة.. فجارة.. إشارة.. ، نوع آخر من اللهو وتصريف الوقت ليس إلاّ.

لا أريد أنْ أُثقل على القاريء، ولا أن أجرح مشاعر كاتب " مقطّعات الرنين" لكني أريد أن أساهم في وضع أُسسٍ نظرية لفهم وتذوق الشعر وتمييزه عما سواه من ضروب الكتابة. لا إعتراضَ لديَّ على الأسلوب الذي يكتب به الشاعر شعره، ولا على اللغة التي يختار ( شرط أن تكون سليمة )، ولا على الصور والمجازات التي يوظف. له في ذلك مطلق الحرية. لكني أطالبه أن لا يخرج على متطلبات الشعر الأساسية التي سبق وأن ذكرتُ وذكرتُ في أكثر من دراسة وبحث ومقالة.

هل أُقدّم للقاريء الكريم نماذجَ أُخرَ من الكتابة الآلية ؟ إني واللهِ لأشفِقُ عليه أن يُصابَ مثلي بالجزع. لذا سأكتفي بذكر عناوين بعض المُقطّعات ذوات الصلّة :
[ نويّة ُ التضحية والنكران ]… [ السيرة المُوثّقة لربطةِ العُنُق ]… [ عقاب الريش، الصفحة الأولى والثانية ]…[ مخاض ]… [ تيس ]…،

هل أسدل الستار وأقول وداعاً دكتور شريف سعد بُقْنةْ الشهراني ؟ ليس فيَّ من القوة ما يكفي لرفع ذراعي مودِّعاً. عالم شريف يستحق كل عناية وجهد. إنه إنسان متميز كالكثير من الشباب الذين إستطاعوا أن يميزوا أنفسهم بما كتبوا. كلهم أخطأ وأصاب، كلهم يُخطيء ويُصيب، وسبحانَ من لا يخطأ. هذه سُنّة الحياة وطبيعة السير في دروب الإبداع والإصرار على خلق ما هو جديد وجدير بالبقاء. في الكتاب أمور أخرى كثيرة متشعبة تستحق دراسات مستفيضة يقوم بها العديد من الدارسين والبحّاثة ومن يعنيهم أمر الأدب عامةً والشعر على وجه الخصوص. وبقدر تعلّق الأمر بي، فإني أعترف إني قد مررت ببعض محتويات الكتاب مرَّ الكرام. ورغم ذلك أعترف بدون تبجّح إني إستطعتُ أن أضع اليد على مواطن القوة فيه وعلى مواضع الضعف و الأخطاء اللغوية. تبقى مهمتنا إسداء النصح والإشارة إلى ما من شأنه الإساءة إلى جمال النص والإنحراف به عن جادة الصواب والذوق الرفيع. أقصى غاياتنا إكتشاف الإبداع والمبدعين فإنهم هم زينة الحياة الدنيا، نارها ونورها.

نرحبُ بتمردك يا شريف، ونرد لك الجميل أضعافاً مُضاعفةً وأنت القائل :
(( أنا هباء وترف، تمرّدٌ وأصل الخرف، لستُ أتوقّعُ منكم ردّاً لجميل / ص 32 "مقتطعات الرنين".
 

العودة الى الشاعر والتجربة >>

الرئيسية :: السيرة الذاتية :: الأعمال الأدبية :: الشاعر والتجرية :: مواقع الكترونية :: التواصُل

جميع الحقوق محفوطة لدى شريف بُقنه الشّهراني ©  2003 -2006

website stats

  شارك هذه الصفحة / المقالة Bookmark and Share

 جميع الحقوق محفوطة لدى د. شريف بُقنه الشهراني © 2004 -2009