|
الخروج
على المألوف في ديوان شريف بُقنة "مقتطعات الرنين"
الأنا مركز العالم والذات أساس الرؤية والرؤيا والتشكيل والقيم
الجمالية
عبدالله خلف العسّاف *
جريدة
الوطن السعودية 21/12/2004
في مجموعة (مقتطعات الرنين) لشريف بقنة الشهراني الصادرة بطبعتها
الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2004م سعي للخروج على
خيمة العلاقات العمودية في الشعر التقليدي وتشكيل علاقات لغوية جديدة.
في المجموعة تصبح الذات أساس الرؤية والرؤيا والتشكيل والقيم الجمالية.
وهي صاحبة المبادرة في بناء عالم جديد ومناخات جديدة.
ولبيان ذلك نسجّل الملاحظات التالية:
أولاً: هناك غزارة في المفردات والجمل غير التامة على حساب التركيب
المألوف في النص العربي، أعني أننا اعتدنا في الشعر على أن نواجه جملاً
شعرية ذات تراكيب تامة تعتمد على نظام الجملة العربي: فعل وفاعل أو
مبتدأ وخبر ولواحق، والهدف من ذلك تقديم عبارة تؤدي معنى محدداً. وما
نجده في مجموعة بقنة قلباً لهذا القاعدة، فهناك جمل غير تامة توالت
بغزارة، وهناك أيضاً أعداد هائلة من المفردات التي تتحرك خارج إطار
الجملة التامة المألوفة ترِد في غالب النصوص مشحونة بدفق وجداني. ومن
يقرأ المجموعة يحس أحياناً بعدم وجود ترابط عضوي بين الجمل السابقة
والجمل اللاحقة أو كأنها تتحرّك في فراغ خارج إطار السياق. لقد قدّم
الشاعر من خلال ذلك صوراً غير ناجزة تحتاج إلى جهد المتلقي للمشاركة في
صياغتها، وأعتقد أن هذا النوع مـن التعبير والتصوير يدخل في جوهر
الإبداع الفني، إذ ليس من مهمة الفنان الـذي يرسم لوحة أو يشكّل مشهداً
أن يقدّمه ناجزاً، وهو إن فعل ذلك لن يستطيع نمذجة تجربته الفنية ومن
ثَمّ نمذجتها، أي لن يستطيع القارئ إسقاط هذه التجربة على ذاته. ولعل
هذا هو الفارق بين الصورة الناجزة في الشريط السينمائي أو شريط الصورة
المرئية وبين هذا النوع من الكتابة الأدبية. ومن أمثلة الجانب الأول
المتعلّق بالمفردات قـول الكاتب: ( صفيرٌ، ضـوءٌ أسـودُ، ورائحةُ
أمعاء/ روثٌ، وإبطٌ يغتصب 105 )، ومن ذلك أيضـاً: (عورةٌ وعورةٌ/
وعورةٌ/ رائحةٌ، وخجل/ ذكرٌ، وأنثى...). وكذلـك قوله: (جوعٌ، فضلاتٌ،
عُريٌ، احتكاكٌ، رُكبةٌ تتسلخُ مـع فروةِ/ الرأسِ، صقيعٌ 143). ويقول
في الجانب الثاني المتعلّق بالجمل غير التامة: ( عشقَ الصبرَ/ متفحمٌ
عجيب/ ثَمّةَ طيبةٌ باقيةٌ في قصعةِ جليده/ فهو يوسوسُ على الأقل/
الوسواسُ عن هذه القطيعة/ أن يكونَ شيءٌ فاتـَهُ عندهم 118)، وقوله:
(السأمُ نعمةٌ/ كوقودِ سعادة عند التوهّج/ دحرِجْ هذه البلونة المثقوبة
ناحية السلة المشبكة/ قوتُ الأراملِ الثكالى عند القُمامةِ، يتربعون/
فلقد كُسِرَ الكتِفُ/ إلى القلبِ من الوراءِ يقشعُ/ كآبةُ الثالثةِ
والعشرين 159)، وأيضاً (مخلبٌ كانت فيهِ أمي بالأغلال/ اقتلعُ رأسي
وأقذفُ به في الهرم 142). وهذه الميزة تغطي نصوص المجموعة كافة.
ثانياً: تغليب المفردة على الفعل، فالفعل للحركة والمفردة للثبات، وكأن
الشاعر يريد تثبيت حالة راهنـة في الواقع، إلى جانب أنه غير مقتنع
بإمكانية تغييره. وهذا من قبيل الحكم غير المباشر على قبح عناصر
الرؤية: الموضوع والذات، الأنا والعالم، الفرد والمجتمع، والخلل الذي
يتشكّل بينهما. يقول (أملٌ عندَ مشرّدِ عارٍ/ إمبرطورُ بقاءٍ نبيل/
الوقتُ الإكراهُ الأوحدُ/ يمتثلونَ له بالمتعةِ، أسهلُها الشهوةُ
المكتسبة/ أحمقُها/ متعةُ العقلِ وضربِ الرأسِ 110).
ثالثاً: التنوّع في المفردات. وهذه ميزة تُحسب للعمل من الوجهة
النظرية، لكن استخدام الشاعر لبعض المفردات الغريبة أو غير المألوفة أو
التي يقل استخدامها أو تداولها هو الذي قلّل من أهمية التنوّع لديه.
والمشكلة برأيي ليست في غرابة المفردات وإنما في عدم قدرة الشاعر - في
غالب الأحيان - على توظيفها أو استثمارها فنياً. يقول: ( براءةُ القيحِ
من خبثِ فتيةِ الشيطانِ الصعاليك/ أخجلُ أن أشهدَ مخاضةَ المضني في
سوائلي/ الضرورةُ تنضغطُ على حنجرتي فأبشمُ بهيمةً جيفةً/ أنها الهيكُ/
الهيكلُ المغروسُ بتشبّثٍ مقزّزٍ منذُ أولِ آهةٍ لآدم 19 ).
رابعاً: الرمزية والانزياح. وفي هذا الجانب وأمام العدد الهائل من
المفردات المتنوعة والغربية والتراكيب غير الناجزة يجاور الشاعر بين
مفردات لا يمكن الجمع بينها على سبيل السياق المألوف، ويتعدّى هذا
الأمر المفردات إلى التراكيب التي تتوالى دون رابط منطقي بينها. وهذا
مما يُحسب للعمل؛ فالشعر يعني كسرَ المألوف من خلال بناء علاقات غير
منطقية أو مألوفة بين المفردات والتراكيب. وهذه الميزة تؤدّي إلى ميزة
أخرى تتمثّل في كسر الحدود الفاصلة بين دلالات الكلمات، فلم تعد
المفردات الخاصّة بالإنسان خاصة به، وكذلك الخاصة بالصحراء خاصة بها؛
أعني لقد اعتمد الشاعر لتأكيد ذلك على تبادل وظائف دلالات المفردات عن
طريق العلاقات الرمزية، والمجاز، والانزياح في الدلالة. ولابد من
الإشارة إلى أن الشاعر يبالغُ أحياناً في هذا الجانب، فتخرج العبارة من
الشكل الفني الجميل إلى الشكل الفني القبيح. ويمكن إضافة المفارقة إلى
ميزتي الانزياح والرمزية ؛ فالشاعر يمهّد - أحياناً في بداية النص أو
خلاله - بشيء فنتوقع الشيء الذي يليه، ثم يأتي بشيء آخر غير متوقع، وقد
لا يكون له علاقة بما سبقه. وهو ينجح أحيانا ًولا ينجح في أحايين
كثيرة. وأعتقد أن هذا الأمرَ عائد إلى حداثة تجربة الشاعر في الكتابة.
خامساً: ندرة اسـتخدام أدوات الربط في النصوص، مما يؤدي إلى تدفق
التراكيب وتراصّها. وهذه الميزة تأتي خلاصة طبيعية للميزات السابقة
الغزارة في المفردات والتراكيب القصيرة والرمزية.
سادساً: غزارة الصور الجزئية وتتاليها إلى درجة أنها أحياناً تُتعِبُ
المتلقي وتُشعره بالضجر من اللهاث وراءها وتنقل التشكيل الفني أحياناً
إلى حالة ذهنية خالصة.
سابعاً:هناك أحياناً دادائية في تقديم التراكيب والجمع بين المفردات،
وسيولة لفظية نافرة من سياقاتها، إذ يبدو أن الشاعر يكتب النص مرّة
واحدة (أنظر19)، وهذا يؤدي إلى ركاكة في التركيب، ومن ثم في الصورة
وتجسيد الحالة. فالصورة الفنية الناجحة إما أن تستثير الإحساس أو العقل
أو كلاهما. والصورة عند بقنة أحياناً لا تستثير شيئاً بسبب المبالغة
والإسراف. والخيال يكون في مثل هذا النوع من التصوير ضعيفاً مسطّحاً
يفقد قدرته على تركيب صورة فنية ناجحة. إلى جانب أن هذا يؤدي إلى
الإبهام وانغلاق النص على نفسه. ومن نتائج دادائية التعبير كثرة التضاد
المفتعل، والقطع في بعض الجمل، والعناوين المبهمة، وكل هذا يعكس
أحياناً حالة عبثية تعبّر عنها الذات في تصادمها مع العالم.
ثامناً: تتحّد - في الأنا الفاعلة - الرؤيةُ والرؤيا والقيم الجمالية
والتشكيل. والأنا هي مصدر لها جميعاً، لذلك لا نستطيع أحياناً أن نميّز
بين الرؤية والرؤيا أو بين هذه القيمة والقيمة الأخرى. أعني أن الأنا
تتسع لتشمل كل شيء. وكل شيء خارج الأنا مرهون بها، يبدأ منها، وينتهي
إليها.
خلاصة القول: مجموعة (مقتطعات الرنين) عبارة عن حقل ألغام واسع، غير
مأمون يتوقّع القارئ أن يصطدم في أية لحظة بلغم أو أكثر. ويعبّر عن ذلك
الخروج على المألوف، والتنوّع في المفردات، والتراكيب غير الناجزة،
والرمزية، والانزياح والمفارقة، واغتصاب اللغة. وعلى الرغم مما لنا من
مآخذ على المجموعة فإن شريف بقنة طاقـة شعرية كبيرة، ولكنها تحتاج إلى
وقت لكي تنضج، وإلى رعاية لكي تُستثمر. وهذا ما نتوقعه في نتاجه
الجديد.
* أكاديمي وناقد سوري
|