(متهم بالغموض والخروج عن المألوف)
حوار مع الشاعر السعودي شريف بقنه


ابراهيم المطوع وعبير عثمان
مجلة (المجلة) - العدد (1347)4-10/12/2005

 


 

طبيب جراح يعاني من بيروقراطية النقد السعودي، ويتهم بأن نصوصه أكثر غموضاً من أسرار الجسد الانساني. صاحب طريقة شعرية غاب عنها النمط العربي التقليدي أو الحديث في القصيدة وحل مكانها تركيبة تجمع بين المفردات العربية وطبيعة الفن الأوروبي.
ترجم العديد من أعمال الشعراء الغربيين من امثال تي.اس.ايليوت، ثيودور ريتكه، روبرت فروست، إدغار الان بو. واهدى ديوانه الأول للشاعر الفرنسي لوتريامون المتوفي عام 1870م وذلك بعد أن زاره الشاعر في المنام أكثر من مرة. شريف بقنه من مواليد 1981م ويعمل طبيباً بمدينة خميس مشيط جنوب المملكة، اصدر ديوانه الأول باسم (مقتطعات الرنين)عام 2004 ويشرف حاليا على موقع المسيرة الالكتروني.

• سيرتك الذاتية تقول أنك درست الطب والجراحة. ما الذي دفعك إلى الاستمرار في عالم الشعر؟
الذي دفعني الى ذلك رغبة استمراري في عالمي الطبّي، ذلك أن الطب و الشعر يتميزان بروح متجددة ومثيرة تخلق فيك رغبة عارمة للّحاق بمشوار طويل لذيذ يصعب تخمين نهاياته. أصبحا بالنسبة إلي ثنائي لا ينفصل يتوّج حياتي بطمأنينة وسكون لأعطي مما يعطيني الله و أحبّ كل ما أشاء.

• بين المشرط والقلم أين تجد نفسك ؟
محض انفصام منسجم و تامّ في الحقيقة. أن تهرول ذات صبيحة بشغف في رواق المستشفى لتنجد مريضاً ينتظرُ سماعتك الطبية والتي نعانق سرّاً كتاباً شعرياً كنت قد دسسته على عجل في حقيبتك، تعود منزلك ظُهراً، تنطفئ شعراً و سكََََناً و تخرج كتابك من ذات الحقيبة وقد تلقّح! تنام.

• أنت متهم بأن لغتك الشعرية خارجة عن المألوف، وتتعمد الغموض في المضمون والدلالة الشعرية، وتحاكي تجارب أجنبية، وخاصة تجربة الشاعر لوتريامون الذي ظهر اسمه على قائمة الاهداءات في ديوانك الأول "مقتطعات الرنين". كيف ترد؟
الخروج عن المألوف في لغتي الشعرية لا أعتبرها تهمة طالما أننا نعيش مابعد الحداثة، وعن تعمّد الغموض في كتابتي؛ أقول أن رؤيتي البكرة لهذا العالم و التي تتأكّد لي دائماً أن الأسرار أكثر من الأجوبة في كل شيء تقريباً، و بالتالي من المنطقي أن تنعكس هذه الرؤية في كتابتي باعتبارها حياة حقيقية أحسّها و أمارسها بما يشبه التعمّد كما قلت، قد تكون كما أسماها لي أديب صديق (تقصّد). عن محاكاة التجربة الغربية، المحاكاة بمعنى التقليد أراه رأياً تعسّفيّاً و مُستهلك ولن أزيد على هذا، أما لوتريامون الرائع و التجربة الحداثية الفرنسية كصفة عامة، أعتقد أنها تجربة تستحق الإشادة بها و رد الجميل لها باعتبارها النور الأول و الطافح في مسيرة الشعر العالمي الحديث، وجاء اهدائي للوتريامون لأنه يشبهني كثيراً في مُخّه و ذوقه و رؤيته، كتب كتابه على طريقته ووثق من ايماءته الفطرية و دوّنها كما هي طازجة ومقصودة و متماسكة، و لأنني حلمت به أكثر من مرة.

• اختيارك لهذا النوع من التجارب الشعرية هل جاء عفوياً، أم باختيار متعمد؟
جاء عفوياً تماماً، بطريقة اصفها بالمخاض الفطري الناجز؛ بمعنى أنني أكتب القصيدة بنفس متقطع و على مدّة تطول في توحّد كامل حتى تنتهي/تولد القصيدة ناجزة بعد مخاض عسير. في بداياتي كنت أتفاجأ بأسلوبي؛ ذكرتني هذه النقطة برسّام أنهى لوحته بعد عناء وجلس على الكرسي ليتأمّلها فضحك و ضحك كثيراً حتى مات! لكنني ولله الحمد لم أمت بعد و اعتدت على مخاضاتي و طريقتي.

• هل تتعاطى الشعر كاستفزاز لغوي للمتلقى، أم أنه يمثل لك حالة استمتاع بمفردات اللغة وغرائبيتها؟
و لماذا أستفزّ ذاتي في البداية قبل أي متلقي! بل كما قلت أتعاطاه مُتعة وشهوة عذبة، استحثّ اللغة العربية و تغمرني كل مرة بكرم مذهل بهجة وغبطة لا تزول.

• من الواضح أنك تمارس الترجمة بشكل مكثف. كيف تؤثر الترجمة على بنية النص في شعرك ؟
لا تؤثر في بنية نصي ولكنها قد تضفي لي أدوات جديدة؛ ذلك أن بنية النص هيكل صلب يجسّد نفسّية كاتبه الذي عاش حياة غزيرة ومعقّده.. وفريدة بالضرورة.

• بحكم احتكاك بلغة أجنبية وشعر مكتوب بلغة خلاف اللغة العربية، هل حاولت صياغة تجربتك الشعرية بغير العربية؟
لم أحاول، و لكنه مشروع قائم في المستقبل بحول الله، على أن أنقله انا الى الانجليزية واستعين بالصديق الأديب سيمون نصّار لنقله للفرنسية.

• تحتل المرأة، أي امرأة، في البناء الشعري مكانة خاصة جداً. كيف تعالج المرأة في شعرك؟
الأنثى الرقيقة تلك، الأنثى المجردة باعتبارها وردة الله على الأرض. الانسانة الساحرة الحنون. و أنا لا أعالج المرأة في شعري بل أتعالج بالمرأة منه.

• من اللحظة الأولي للدخول إلى موقعك الإلكتروني، نلاحظ ثمة اهتمام مكثف باللون والصورة ودمجهما في بنائك الشعري. هل ثمة رؤية فنية متعمدة أردت أن ترفقها مع المحتوى الشعري في الموقع؟
قد تكون كما قلت رؤية فنية متعمّدة و لكنني لا أتوقع منها أي إضافة في بنية أو فكرة النص. الواقع أنني أنا مصمم و منفذ هذا الموقع، و هكذا أرقش هذا الهلام الالكتروني على طريقتي تماماًَ كم أكتب القصيدة على طريقتي، و المدهش في الأمر ذلك الانسجام التفاعلي المحسوس على الشاشة بين الشعر و الفن الرقمي المذهل.

• بعيداً عن مقولات تبادل التأثير والتأثر بين الثقافات والشعراء، كيف ترد على من يقول في التجارب الشعرية لبعض الأسماء، وأنت واحد منهم، بأنها "استنساخ" للتجارب والمدارس الشعرية الغربية دون وعي وفهم؟
بداية أنا أرد باسمي فقط، كما قلت مُسبقاً عن هذه النقطة و أزيد أن الغثيان بدأ يصيبنا من استساخ بعضكم. الشعر بالنسبة لي كيان يتخلّق في داخلي لتجربة حياة لها بصمة لا تُستنسخ.

• يرى البعض أن الكثير من تجارب والمدارس الشعرية الغربية الحديثة، والتي تبدو بعض ملامحها في تجربتك الشعرية، تحمل أفكارا ورموزاً وإسقاطات قد توصم صاحبها بالإلحاد والخروج عن الملة؟ كيف تتعامل مع احتمالات سوء التأويل؟
احتمالات سوء التأويل في هذا الخصوص واردة خاصة في هذه الفترة والسبب يعود لكثرة الحداثيين الذين يتقصدون اقحام رموزا دينية ومقدسة لأثارة الجدل وسرعة الشهرة في رأيي، أما تجربتي أعتقد أن هذه الاحتمالات تندر لأنني على ثقة من التزامي حرم المقدس في كل ما اكتب، وهذا الحرم الذي التزمة قد يطول شرحة، ولكن القارئ الذي يحاول أن يفهمني ولا يتقصّد التأويل سيرى كتابتي ممهدة سمحة.

• يشكل المكون الثقافي للشاعر أحد أهم محددات تجربته الشعرية وخصوصيتها. كيف تثري تكوينك الثقافي. بمعنى آخر، ما أهم المجالات، من فلسفة أو تاريخ أو أدب قصصي ، التي تركز عليها في بناء تكوينك الثقافي؟
بداية هذا العالم الذي يولد كل يوم بكل ثقة وعطاء بانسجام يبعث على الدهشة وكما قال ملارميه "الشاعر يدهشه كل شيء". الشعر بالتأكيد هو الوسيلة الوحيدة والمباشرة التي أجزع بها!. احب الفلسفة كثيراًوتستهوينيى الوجودية بصفة عامة و كتابات هيدجر، جان بول سارتر، هكسلي، هيجل، وكولن لسون والذي كرّس للوجودية الجديدة و أثار فضولي بشدّة. وللقص قي متعتي مكان، اقرأ لعبده خال، يوسف المحيميد، عبدالرحمن منيف، الطاهر بن جلون، جارسيا ماركيز، هيرمان هسه، البيركامي.. هذا ما يحضرني من اسماء.

• أحد الانطباعات الأولى التي يمكن أن تؤخذ عن شعرك أنه منفصل عن واقعنا المعاش، عن تفاصيل الحياة العادية. هل تميل إلى التجريد في التعبير عن آرائك ورؤاك؟
تماماً و أظنك تقرأني جيّداً قي هذا السؤال، التجريدية منطلق سليم و أساسي في حياتي كصفة عامة، و أظنه المنطلق الأكثر مثالية ونجاح للبدء دائماً لأنه الأصفى و الأكثر وضوحاً، بمعنى أن التجريد هو أسهل الطرق لبلوغ الدلاله.. جرّب ذلك بنفسك.


• كيف استقبل النقاد باكورة إنتاجك الشعري ممثلاً في ديوان "مقتطعات الرّنين"؟
أرى أنهم تناولوا قصيدتي باعتبارها تجربة حداثية جديدة و مغايرة في الشعر العربي الحديث، ووصفوها بأنها فريدة و تنهج طريقاً يستحق الاحتقاء وهذا شيء أسعدني كثيراً، كان هناك بعض الانتقادات والتي تناولنا معظمها في ثنايا هذا الحديث.

• يلاحظ أن نقاد الداخل السعودي لم يهتموا بتجربتك الشعرية قدر اهتمام نقاد الخارج بها. كيف تفسر ذلك؟
لتفسير ذلك سأستعرض بإيجازوجهة نظري عن النقد السعودي القائم/النائم الآن؛ تلك الظاهرة التي إسمّيها بيروقراطية النقد السعودي الحالي والتي اتمنى أن تكون مجرّد مرحلة عابرة؛ فمعظم المنجز النقدي السعودي الحالي يقرأ لشعراء الثمانينات، ترعرعوا سويّة و يقرأون لبعضهم (يحافظون على بعظهم) منذ عشرون عام! ( يغازلون بعظهم إذا جاز التعبير)، وإن جاء ناقد يافع ومتحمّس تجده يتخبّط في موروثهم وكأن الشعر أنتهى بخفوتهم المتوٌَّقع سلفاً، أضف الى ذلك تدني الحضور النقدي السعودي في الفترة الحالية.

• هل تجاهل النقاد للتجارب الجديدة، خاصة إذا كان يغلب عليها الطابع التجريبي، قد يرجع إلى عدم قدرتهم على فهمها واستيعابها؟
قد تكون هذه احتمالية ممكنة لكنني واثق انها لأقلّية من النقّاد، و السبب الأهم هو ما بينته في السؤال السابق.

• وفر الإنترنت فضاءً واسعاً، من حيث حرية النشر والتعبير، أمام الأصوات الشابة في كافة ألوان التعبير الأدبي والفني. ويلاحظ أن صوت الشاعر شريف بقنه داخل هذا الفضاء أكثر حضوراً عنه في الحياة الثقافية السعودية كالصحف والمجلات والندوات الثقافية. لماذا؟
لسهولة وصولي اليه، وأعتقد أن المسألة مرتبطة بالضرورة بالتطور المتسارع للانترنت كوسيلة اعلامية ومرجع ثقافي غزير، والذي يقابله ذاك التدهور الفضيع والواضح في التقديم و المحتوى للصحف والمجلات الثقافية المحلية، ففي كل أسبوع وتزيد أحياناً الى اسابيع تتصدق علينا جريدة بصفحتين ثقافيتين أو أكثر لا تخلوان من آخر رقصات الفنانة فلانة و آخر طرق الهكرز لاختراق كمبيوترك، أما الندواث الثقافية المزعومة هي مجرّد إعلان على استحياء يتصدر أخبار الثقافة كل شهر أو يزيد لمسح ماء وجه الأندية الأدبية المُصفّد.

• لنخرج من تجربتك الشعرية إلى آفاق المشهد الثقافي السعودي الحالي. مبدئياً، كيف تقرأ واقع الشعر السعودي؟
الواقع الحالي للشعر السعودي يشهد تنويراً مُرضي، فثمة أسماء ستبقى بكل تأكيد علامة فريدة في الشعر العربي الحديث، و أسماء أخرى تخرج كالنورالمبهج مابين فترة وأخرى. لكن ما يبعث على القلق و الاحباط في هذا الخصوص غياب العمل المؤسسي المنظّم و الإقصاء اللامبرر للأدب من الواجهة الثقافية العامة للمجتمع.

• ما الأصوات التي تشدك؟
في الفتره المعاصرة؛ من المشهد الشعري السعودي أقول: أحمد الملا، عبدالله السفر، سعد الحميدين، سعد الدوسري، محمد خضر، هدى الدغفق، محمد حبيبي وموسى العزي.
من المشهد العربي أدونيس، أنسي الحاج، باول شاؤول، قاسم حداد، عبدالمنعم رمضان، سركون بولص، فوزية السندي و محمد النبهان.

• لنجعل حديثنا أكثر تحديداً. كيف تقيم، بحس الشاعر لا رؤية الناقد، أسماء مثل غازي القصيبي، سعد الحميدين، محمود درويش، أدونيس، قاسم حداد؟
بما أنك طلبت التقييم فلابد أن تكون الرؤية لها أبعادها النقدية، وهكذا سأبدي رؤيتي بحس المُتذوّق فقط؛ غازي القصيبي مُثقّف من الطراز الأول، سعد الحميدين أستاذ حقيقي للقصيدة الحديثة وشاعر الجزيرة المخضرم، محمود درويش أصفى شاعرية عربية رقيق و"محكوم عليه بالأمل"، أدونيس الشاعر الأول على الاطلاق في الشعر العربي الحديث، قاسم حدّاد رائد القصيدة الطويلة والجزيلة.

• بعكس معظم التجارب الشعرية السعودية المعروفة، يغيب عن شعرك التراث والثقافة المحلية وملامح المدينة والمجتمع السعوديين. هل يمكن وصف ذلك بأنه محاولة منك للتحرر؟
يغيب عنه كل شيء يومي في الحقيقة، وذلك ليس نوع من التحرر بما أن الروح في الأساس لا تُحبس، المسألة مرتبطة ربّما بوظيفة الأدب الآن من وجهة نظري على الأقل، سأوجز في القول هنا لاتساع الموضوع، وأقول أن الشعر في هذه الحقبة الهامة من تاريخ البشرية يتحمّل جزء كبيراً من الأمانة الملقاة على عاتقنا كبشر، هكذا فالشعر يتحمّل مسؤولية أكبر من اليومي التقليدي والمباشرالمحكي، ومنطور الشعر لدي، منظور كوني أكثر ايغالا من المؤقّت والمُحدّد. لكن لا تنسى في نفس اللحظة أن ذات المجتمع الذي تقول يعتبر بالنسبة لي خصوبة يومية تفعمني احاسيس وحالات اكتبها بطريقتي.

• من تخاطب؟
كل شيء و أخص كل ذات بشرية تشبهني.

 

العودة الى الشاعر والتجربة >>

الرئيسية :: السيرة الذاتية :: الأعمال الأدبية :: الشاعر والتجرية :: مواقع الكترونية :: التواصُل

جميع الحقوق محفوطة لدى شريف بُقنه الشّهراني ©  2003 -2006

website stats