عاشق في فرنسا


د.عدنان الظاهر / ألمانيا كانون الثاني 2008

دراسة أدبية لمجموعة (مدن العزلة) د.شريف بقنه الشهراني ، بيروت 2007
 


تمهيد قصير

" مدن العزلة " هو الكتاب الثاني على ما أحسب للشاعر الطبيب السعودي د. شريف بقنة بعد كتابه الأول الذي نشره عام 2004 بعنوان [ مقتطعات الرنين ] . كتبتُ ونشرتُ دراسة ً مطوَّلة ً عن كتاب مقتطعات الرنين تقبلها شريف رغم قساوة بعض ما جاء فيها ووضعها في موقعه الخاص على الإنترنت . قساوة ؟ نعم ، لكنها قسوة بل قوّة الحق والحكم العادل ومن ذا يرتاح لأحكام القضاة العدول ؟ مهمة الناقد مهمة صعبة . تقع على عاتقه مهمات جسيمة إذ عليه أن يكون محايداً وموضوعياً ولا ينطق عن الهوى وأن لا يجامل زيداً أو عمراً وأن يكون َ واعياً كيف يوازن بين مراعاة مشاعر الكاتب والشاعر ومسؤوليته الخلقية أمام نفسه والقرّاء على حد سواء . لا من مجاملة في قول كلمة الحق ولكنْ ، العِبرة في كيف نقول هذه الكلمة . كيف نعبر عنها بأساليب متفاوتة ليناً وشدة، صراحة ً ودهاءً، مصيبة ! العدو من أمامكم والبحر من ورائكم . الشاعر ـ الخصم شاخص أمامك يتربص بك ليسمع منك ماذا ستقول عنه وعما كتب . والقارئ وراءَك يتفحص أمانتك ويختبر موضوعيتك وشجاعتك (( وسوى الروم ِ خلفَ ظهرِكَ َ روم ٌ // فعلى أيِّ جانبيكَ تميلُ ؟ / للمتنبي )) .

لم يترك لي دكتور شريف بقنة مجالاً كافياً للمناورة واللعب بصولجان الفرسان في الميدان . وضعني وجهاً لوجه أمام مسؤولية كبيرة وخطيرة وهو يعرف أن َّ قلمي ـ وليس لساني ـ حاد ٌ لا يجامل بعد إذ ْ خبرني من خلال دراستي آنفة الذكر لكتابه الأول ( مقتطعات الرنين ) . ماذا أعني ؟ أعني ما كتب لي مشكوراً في كلمة إهدائه لكتابه الجديد ( مدن العزلة ). ماذا كتب شريف الطبيب لعدنان ؟ {{ د. عدنان الظاهر ، إليك أبيضي ... أنتظر أبيضك وأثق بقراءتك . توقيع ، جميل تشكيلي الطبيعة يصعب تقليده ثم تأريخ 23 . 9 . 2007 يليه دكتور بقنة باللغة الإنجليزية Dr.Bugnah .

أعتذر بادئ ذي بدء أني تأخرت في الكتابة عن هذا الكتاب لأسباب قاهرة لا من مجال لشرحها ... سيسامحني الصديق الطبيب الطيّب شريف والمسامح كريم " يا بَعدْ عُمري ..." دافئة دافئة ... ما أحلاها بفمه وقد كتبها في الصفحة 83 من كتاب مدن العزلة .
أعرف أن قلبك أبيض يا شريف النفس والقلم فماذا تنتظر من أبيضي وهل البياضان متساويان في قابليتيهما على صد وعكس الضوء الساقط عليهما ؟ هل تثق ببياضي الذي قد يكون مشوباً بأطياف مخفية من ألوان شتى تقتضيها هواية الكتابة عن الآخرين ونقد آثارهم ؟ أن ْ تثق بقراءتي ذلكم شئ جميل وجليل ولكن ماذا عن بياض صفحاتي التي تعرف والتي لا تعرف ؟ إفتحْ صدرك إذا ً ، إفتحه عريضاً واسعاً وتقبل ما ستسمع مني وما سأقول لك وللقراء بأمانة وتواضع وعفة يد ٍ وقلبٍ ولسان .
 


عنوان دراستي للكتاب

كيف ولماذا وقع إختياري على عنوان هذه الدراسة (عاشق في فرنسا) لأنَّ شريف ولأول مرة يكتب غزلاً وحباً مشوبين بلوعة المحبين وما يعاني المحب من حرقة الفراق بعد اللقاء. هذا الموضوع يغريني ويسكرني لأنني أعتبره المحك الدقيق والمرآة الأمينة لرصد صدقية الشاعر والإنسان عموماً والبرزخ أو المعبر الذي يصب الشاعر خلاله أصدق مشاعره وما يعاني من عذاب الحب والفرقة . لا يخفي محبٌّ حبه فكيف بشاعر ! من هي رشا ؟ الإسم عربي لأنثى إلتقاها ، في مدينة أنسي شرق فرنسا . كتب القصيدة في شهر آب ، أغسطس عام 2005 . المهم أن نعرف أنَّ السيد شريف بقنة يتورط في علاقة حب من النوع الذي يحصل ويتكرر كل يوم وكل عام هنا وهناك ، في هذا البلد الأوربي أو غيره . ما الذي جعل الطبيب شريف يخترق الشرنقة ويتجاوز الخطوط لينغمر في رومانس سياحي قصير الأجل لا تترتب عليه أية مسؤوليات أو إلتزامات .

طفرة ، أجلْ ، إنها طفرة أو قفزة على مانع كما يحصل في ميادين الرياضة والمباريات الأولمبية . ما تكلم شريف في كتابه الأول لا عن إمرأة ولا عن رومانس، لعل من المناسب أن أذكرَ أنَّ شريفاً كان أيام نشره الكتاب الأول مجرد طالب في كلية الطب ، في حين غدا طبيباً إذ ْ نشر كتابه الثاني موضوع البحث . ترتب على هذا التحول التدريجي في سلم حياة شريف تغيّر شديد الوضوح في تركيبة مزاجه وتفكيره ثم إلتزاماته الإجتماعية وربما قناعاته السياسية . كان هناك شاباً ثورياً ومصلحاً إجتماعياً واضح الصوت عالي النبرة ناقداً جريئاً لأحوال ناسه ومجتمعه حتى إني عبرت له عن خوفي عليه من النتائج وشبهته بمارتن لوثر كينك ونلسن مانديلا ، ثم تساءلتُ : أيبقى شريف على ثوريته وتمرده بعد أن يبلغ الخمسين من العمر وبعد أن يشبع طباً وخبرة ً ومالاً ؟ كان تساؤلي في محله إذ بعد مضي ثلاثة أعوام لا أكثر (2004 ـ 2007 ) خفتْ ثوروية شريف بدرجات كبيرة وخفتت نبرة وحدّة صوته المحتج ولانت حياته الشخصية والعامة بعد أن أصبح طبيباً جرّاحا يعمل في مستشفى عسكري ويتمتع بإجازات يقضيها في بلدان أوربية جميلة مثل فرنسا وغيرها.

لكي أكون صادقاً معه ومع نفسي لا بدَّ من أن أقولَ إن َّ الإنسان الثائر في شريف إحتفظ بشئ من روحه الثائرة وبآثار من حقده ونقمته على عالم الرأسمالية الظالم ، على عالم البرجوازية وإنْ جاءت في موضع واحد في قصيدة واحدة إسمها ( أناشيد موت منفرد ) . أنقل ثورة شريف بألفاظه من الصفحة 62 :
[[ البرجوازيون ... رعاة البقر ... طغاة الأرض ... هكذا مزاج عبثي ...يُنعشني اليوم ، هؤلاء البشر ! أحتاج إلى غضب عارم للبقاء بينهم ، أنْ تتعلم َ من أين تؤكل الكتف ! وعلى الجوعى نقمة السماء ]] .
لا يحتاج مثل هذا الكلام إلى شروح وإضافات . الكل يعرف مَن هم البرجوازيون رعاة البقر طغاة الأرض! ! تعلّم شريف من المتنبي فلسفة التكيّف والتعايش مع الظالم ومَن لا يستحق المعاشرة أو الصداقة:

ومن نَكد الدنيا على الحر ِّ أنْ يرى
عدوا ً له ما مِن ْ صداقتهِ بد ُّ


قصيدة انتحارات الماء

ما قال شريف المتيّم في رشا ؟
هل أغامر بالجزم أنَّ رشا هي أول قصة حب في حياة شريف بقنة الشهراني ؟ لو كانت أخرى في حياته لأفصح َ أو لتسرّب َ خبرها جهاراً أو رمزاً وتورية ً أو حتى بزلة لسان ... وما في القلوب نجده على اللسان أو يظهر في الأحلام . هل ننسى ما قال شاعر قبل الإسلام :

ومهما تكنْ عند إمرئ ٍ من خليقة ٍ
وإنْ خالها تُخفى على الناس ِ تُعلم ِ

رشا هي حب شريف الأول . لا نعرف هل كتب فيها وعنها بعد لقائه بها أشعاراً أخرى ؟ أكيد ستكون رقيقة هفهافة غزلية وجدانية تميل لشئ من التصوف والروحانية كشأن أغلب أشعار الهوى بين الشباب وخاصة ً إذا ما كانت تلك هي تجربتهم الأولى في عالم الحب. وأكيد سينأى أكثر بنفسه عن عالم التمرد والسياسة وسيميل بقوة إلى توظيف ألفاظ ٍ أكثر رقة ً وأعذب بيانا ً وأبعد عن الألفاظ القوية المكشوفة كتلك التي قرأناها في كتابه الأول والتي أشرتُ إليها مفردة ً مفردة .
إهداء شريف قصيدة ( إنتحارات الماء ) يعزز الكثير من تكهناتي وإستنتاجاتي فلقد قال [[ إلى رشا ... فقط ]] . إذا ً فهي حبه الأول حتى اللحظة ولا نعرف طبيعة تقلبات الإنسان في قلبه أو مع قلبه فالقلب قلَّب كما يقول علماء اللغة ، مشتق من عملية التقلب . وهنا إلى رشا فقط ... تفرّد بها وعزلها عن باقي نساء العالمين . بعد مقامة التفرد هذه مباشرة ً إستعار الشاعر قولاً للشاعر الفيلسوف ( طاغور ) قال فيه :
[[ كلمة واحدة تبقى لي في صمتك َ أيها العالم حين أموت : هي أنني قد أحببتُ ]] . كلمة جميلة تتطابق تماماً مع حالة شريف العاشق وتستجيب لما في داخله من لواعج . كان صادقاً مع نفسه وكان جريئاً إذ فتح صدره كطبيب جرّاح ليكشف لنا عما فيه ... ها أنذا يا عالم ! ليس لديَّ ما أُخفيه عنكم وليس في َّ ما أخشاه وأتجنبه !!
قصيدة إنتحارات الماء قصيدة طويلة من 17 صفحة ( 79 ـ 96 ) و 22 مقطعاً سأختار أجمل َ ما وجدتُ في هذه المقاطع وأثبّتها مشيرا ً إلى رقم تسلسل المقطع دون ذكر رقم الصفحة ...
 

المقطع رقم 3
 

[[ ضممتها ...،
فتهدّلَ في روحي ماؤها ...
أشف ُّ على مهل ٍ في عروق ِ عُنقها ...
أتهادى سلسبيل ٌ فَتَر لا يصحو ...
صعداءٌ آسنة ٌ حتى الثمل ...
أمتشق ُ حبوراً سماوياً ...
من أين لي إدراكٌ مكين ٌ وقانت
خيمة طمأنينة لمُنية حلال ،
إنها ستلامسُ صدري ...
ذات َ مساء ]] .

في المقطع الثاني نجد بُغيتنا فنرتاح كثيراً ونحمد الشاعرَ كثيراً ونطالبه بالمزيد. هنا لا يفصح العاشق عن تفاصيل لقائه بمحبوته بتعبيرات مباشرة مستقيمة الخطوط ظاهرة المغازي وإنما يسلك الدروب السوريالية والرمزية ويغوص إلى أعماق عقله الباطن فيقلب ويتقلب ولا يتسرب منه ومن عقله الواعي إلا إشارات خاطفة وإنتقالات رشيقة وإيماءات ألوانها خافتة الضوء وقد أجاد إذ عبّر عن ذلك كله بقوله
[[ أُراني أتسرّب بهدوءٍ
بين شقوق البلاط ]] .
ليس هو مَن يتسرب بين الشقوق حسب ُ، إنما وكل المدفون عميقا ً فيه من مشاعر الحب وهوس التوله وضربة العشق " النووية " . التسرب والإنسياب غير الواعي مع قدر قليل من الضبط والمراقبة ونوبة من الحراسة المخففة على طوفان فكره وجيشان غموض ما يريد التعبير عنه . الصراع المرير بين ما يريد أن يقول وما لا يريد أن يقول . بين شعوره الذي يعرف وعواطفه التي يجهل كنهها أو يخشى ترجمتها إلى ألفاظ يكتبها ويقرأها الناس . صراع مرير يشق طريقه من خلال إلتباسات مختلطة ما بين الغيب والحضور، الباطن والظاهر، المباح والمحظور . أعيد كتابة هذا المقطع متصلاً لامجزءا ً كما ورد في الكتاب :

المقطع رقم 2

[[ ضجيج ٌ وفوضى يعجُّ بهما المكان . كنتُ بينهم ذات صبيحة ٍ صائمة ٍ . لكأنَّ الحياةَ كانت كلها تكتفي بأرقها في تلك الغرفة الملغّمة . وما أن تحلينَ بردا ً وسلاماً ... أُراني أتسربُ بهدوء ٍ بين شقوق البلاط ... نتماس على حواف ماء ٍ عطشى . نتلاسعُ عن شفاهٍ تُتوّجُ ... شفاهُ متعَبة ٌ تلفظ ُ إنتقامات أسفار ٍ عِجاف ... قُبلتها أضغاث ُ إلتباسات ٍ ... تجتاح ُ أوصالي رغبة ٌ جامحة ٌ لتدمير الطبيعة ]] . مقطع ناجح كل ما فيه ينضح توتراً يفهم قارئه طبيعة الجو السائد فيه بإشارات لا تتكلم من جنس ( البنتوميما ). يحس بهذه الأجواء ولا يعرف كيف يفسرها بل ، إنه أصلاً ليس بحاجة إلى تفسيرات . يحس بمجسّات الكثير من الحواس المجهولة الأصل فيستوعب ما يريد هو إستيعابه لا ما يريد الشاعر أن يمليه عليه . لا يتطابق القارئ والشاعر بالضرورة . الأفضل أن لا يتطابقا وأن يظلا مختلفين ففي الإختلاف جمال وسحر وخلق وقوة . نعم ، الجو ، الطقس و الإيحاء. قلتُ وأظلُّ أقول إنَّ السوريالية ليست قانوناً واحداً صَمداً أوحداً مقننا ً ، إنما هي وسائل وآليات شتى منوَّعة متفاونة تختلف من شاعر إلى آخر وتتنوع وتثرى بتنوع الشعراء وتعتمد على ثقافة الشاعر ودرجة وعيه الشعري ومكنته اللغوية وعمق معرفته بنفسه وثقته بوسائله الخاصة للتعبير عما يجول في عوالمه العميقة الغور ثم قدرته على ترجمة ما في هذه العوالم إلى أشياء ملموسة لكنها عديمة الملمس ومرئية لكنها لا تُرى وناطقة لكنها لا تتكلم وإذا تكلمت فبلغتها الخاصة التي يتجاوب القارئ معها ويتأثر بها لكنه لا يفهمها ولا يفهم ما يريد الشاعر منها . لكل شاعر سورياليته الخاصة به كآلية للتعبيرالشعري ولغة غامضة لترجمة الأكثر غموضاً وجهاز لتحويل الصوت إلى ضوء يراه القارئ لكنه يجهل ما وراءه من أصوات . لشريف بقنة سورياليته الخاصة كشأن باقي الشعراء . هي بصمات أصابع يديه التي لا تتكرر وليس لها من شبيه أو نظير . هي جيناته الخاصة به .

تعليق على تعبير (( صبيحة صائمة )) /
صام النهارُ إذا إنتصف وبلغ سمت الظهيرة ، فصبيحة صائمة تعني أنَّ الصباح تطور إلى وقت الظهر وهو يسمى زمن الزوال . وفي التقويم الأوربي تمييز ما بين الوقتين فقبل الظهر أي قبل الساعة الثانية عشرة يسمونه
AM =Antimeridian
وبعد الثانية عشرة يسمونه
PM = postmeridian
على أية حال ، ليس للأمر من أهمية إستثنائية سوى جهدي للتمييز بين أن يكون الشاعر صائم َ صباحه بالمفهوم الديني أو إنه معني بتحولات الزمن ومواكبة الحركة الكونية للزمان بمفهوميها الفيزيائي والفلسفي .

المقطع رقم 5
[[ جُبلت ِ من ضلعي ،
يا أناي ...
أحبّك ِ قلَقا ً وجودياً يحققني كل َّ مرّة ...
أحبّك ِ وجدا ً أصلياً
وأتصوّفُ بكِ
في هذا التوفر الأبدي للوقتِ والفراغ...
لا أجدُ عملاً أفضل َ من بقائي جالساً
أتهذب ُّ بوجهَك ِ الجميل ِ وإستحضرهُ بهجوع ... ]]

تتجلى هنا ثانية ً شعرية شريف الشهراني وتفرّد أساليب نهجه السوريالي التي لولا هذا التفرد لما كان الشاعر شاعراً أبداً ولن يكون ... شريف. شاعر التفعيلة لا يمكن أن يكون سوريالياً أبداً لأنه مقيد بقالب وصفيحة ( تنكة ) التفعيلة المعدنية المحددة المساحة والزوايا والأضلاع ، التفعيلة سجن ، سجن فسيح وليس زنزانة سجن إنفرادي طولها متر وعرضها نصف متر ٍ . ونزيلها ليس محكوماً بالشنق حتى الموت ، فيها فتحة دائرية صغيرة للتنفس وإمكانية متواضعة لرؤية الشمس والسماء . أقرر هذا الكلام وأتحمل عتاب أصدقائي وهم كُثر ٌ من شعراء التفعيلة الذين كانوا ثوريين جداً يوم تمردوا وأعلنوا العصيان على بحور الفراهيدي فهدموها تفعيلة ً فتفعيلة ً وفتحوا أسوارها العالية وصفق لهم شباب ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث أنتصرت هذه المدرسة بشكل ساحق وإنْ سمحت للشعر الموزون المقفى بهامش ضيق محدود للتنفس ثم للتأريخ والعرض في المتاحف من باب تقديس الذكريات الجميلة والمحافظة على الموروث !!
أعود من سياحتي لشريف الشهراني لأقرأ ما قال في سطور هذا المقطع وما تسرب بين السطور وما فاته أن يقوله وما خشي َّ أنْ يقوله . من نافلة القول أن أذكر أنَّ الشاعرَ يُحيلنا لما قرأنا في تراثنا وفي غيره من قصة خلق حواء أمنا الأولى أو جدتنا من أحد أضلاع جدنا آدم [[ جُبلتِ من ضلعي ]] ... هي إذا ً حواء زوج آدم خرجت منه. شريف يريد أو يتمنى أن تكون ( رشا ) زوجه وبعضاً منه وهذا شئ جميل ونبيل، [[ أحبّك قلقاً وجودياً ]] ... شاع كثيراً في زماننا تعبير القلق الوجودي وفضلُ شيوعه وإنتشاره يعود كما هو معلوم لجان بول سارتر وغيره من فلاسفة الوجودية . القلق الوجودي ما هو إلا قلق الإنسان نفسه مكبّراً مئات أو ربما آلاف المرّاتٍ مع الكثير من المبالغة وبعض النرجسية ومحاولة التخلص من مشاكلنا الخاصة بتعليقها على مشجب الزمان أو الكون والوجود أو ترحيلها لمكان آخر وزمان آخر للتخفيف من ثقل وطأتها على كواهلنا الضعيفة . إنه قلق الشاعر الغارق في عشقه حتى إلى ما فوق أذنيه ... قلقه عليها عند أي فراق.! محنة، محنة حقيقية يعايشها الشاعر الطبيب الشاب . ثلاثية القلق الوجودي + الوجد الأصلي + التصوف . ليس من باب العبث أن يجمع الشاعرُ عناصر هذا الثالوث وهو يستحضر طقوس علا قته برشا وجميل أيامه. راح يدخل رأسه في دهاليز روحية لعله يجد فيها بلسماً وطبّا ًً لمعاناته الممضّة الموجعة . هذا سبيل معروف منذ القدم للهرب مما نواجه من مشاكل وإشكالات ، الهرب من خطر غير قاتل شاخص ٍ أمامنا واللجوء لخطر موت أكيد غير شاخص أمامنا أو لا نراه . هذا الكلام لشكسبير وليس لي ... تقريباً . التصوف ، التصوف هو الإنكفاء على الذات الواعية والإلتفاف على شبكة الحواس البشرية في مسعى ليس بريئا ً تماما ً لتعطيلها كما يعطل طيرانُ العدو شبكة رادارات عدوه . نعطل حواسنا للتخلص من الإحساس بالمعاناة . تخدير الجلد والعصب بالترياق والحشيشة الصوفية . مصيبة العشاق كبيرة [[ يخشون من جزع ٍ للذتهم ـ أن لا تكونَ طويلةَ الأمدِ / للأخطل الصغير ]] . أجد مصداق ما سردتُ للتو من تكهنات وإستطرادات في السطور الأربعة الأخيرة من هذا المقطع الخامس :
[[ كنتُ أبحث ُ عن وعي ٍ ما ...
أتفحص ُّ أداة َ وعي ِّ ...
أُطمئن ُ سريرتي ...
... لكنني دائما ً ... أغووور ]] .
يبحث الشاعر الذي إلتجأ لعالم الروحانيات والتصوف عمّا فقد من وعي لكنه لا يجد ضالته فيشكك في وسائل بحثه عن وعيه لكي يريح ضميره ويبرئ ذمته أمام نفسه فتداهمه الصدمة القاسية : لا يجد شيئاً باقياً من وعيه فينزلق في أعماق التيه أكثر فأكثر ويظل يغور حتى بلوغ حدود العدم الوجودي . مما يلفت النظر الكيفية التي بها كتب الفعل ( أغور... أغووور ) ، الغور فالغور ثم الغور حتى عمق الأعماق.
هل عرفنا لماذا ذهب الشاعر من الحب إلى التصوف ؟ هل في تصوفه عبادة مَن يُحب ؟ هل هو من قبيل عشق المتصوفة ومحاولات الاندماج والحلول المتبادل فيه ؟ أقول نعم . حقق الشاعر ما يروم من نجاح . ربط ٌ محكم ومحاولة موفقة من حيث الفكر والمنحى والشعر .
أنقل ُ أجزاء جيدة تخدم أغراض دراستي من المقطعين السادس والثامن :
[[ يا بعد عمري ...
بعد حزني ، بعد النهار ...
بعد النجوم العذارى الفارعات ...
بعد السماء التاسعة في لجّة النور
ترقص ُ قدماك ِ على سقف الجنّة
وتسيل ُ أنفال أفلاك ...

إيه ٍ رشّو ...
يا لهذا الكسل المُذهِل في جسدكِ ...
سَكَن ٌ يشبه ُ ثمل السماء قبل الغروب ...
عند الأفول .
وتنعسين ... ،
أي فضول ٍ يملأني لأعرف َ فقط ... ،
كيف تفكِّر ُ تلك العينان في هذه الدنيا ... ! ]] .

" يا بعد عمري " تعبير غارق بالعاطفية والإستعداد للتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل المعشوق . يقول العراقيون " يا بعد عيني " ... يا عزيز الروح يا بعد عيني ... التي تعني من بين ما تعني أني أفدي المخاطب بعيني أو أن عيني فداء ً له . وهذا تماما ً ما ذهب إليه الشاعر السعودي في قوله القريب من العراقي من حيث المغزى والمعنى . كذلك تقوله الأمهات للأبناء في العراق أو يقوله الواحد منا لعزيز عليه . " يا بعد عمري " ... تعبير يأخذ بمجامع القلوب لبساطته وبراءته وعفويته وما فيه من حرارة صادقة وإنفتاح صدر في مخاطبة المعشوق . لا يكتفي شريف بتقديمه عمره قرباناً لحبيبته رشا ، إنما يقرِّب لها أكثر من تقدمة وقربان وأضحية : يضيف لعمره حزنه فيها ومن أجلها ونهاره والنجوم والسماء التاسعة ـ أضاف سمائين أخريين. هنا بلغ الأرب ، دنا من عتبة مرامه وهدفه النهائي الذي سعى إليه حثيثا ً متنقلاً متدرجا ً من الحزن الخاص به إلى التقويم الزماني ذي الإستقلالية الكونية حتى يدرك العالم الأعظم بنجومه وسماواته ـ وقد حددها بتسع لا أكثر ـ حتى يقف أمام فضاء كوني عند السماء التاسعة .
نشهد في السطور الأخرى من المقطع الثامن تعبيرات واضحة تدل على إنتقال الشاعر إلى ملكوت الليل وفي الليل يهجع الناس ويأوون إلى فراشهم. كلمات قليلة واضحة الدلالات مثل : الكسل + السَكن أو السكون + الثَمَل + الأفول + النعاس . الحبيبة في فراشها ، يحوم العاشق حول سريرها محاولاً معرفة [[ كيف تفكّر تلك العينان في هذه الدنيا ! ]] . النائم كذلك يفكر ويحلم والحلم تفكير والنائم يتكلم ويجهر في كلامه أحياناً .

المقطع 13


في هذا المقطع يبلغ السهم المنطلق مداه الأقصى . يتوحد الشاعر العاشق مع المعشوق والمعشوق بشرٌ ، أنثى إسمها رشا ، رشو تدليلاً . يتوحد أو يتحد بها إتحادا ً سرمديا ً إفنائيا ً والفناء هو الموت . لكأنَّ ما قال الشاعر فيما سبق تمهيد ٌ وتوطئة لمضمون هذا المقطع . إنه يتدرج في خطوات مقننة محسوبة بدقة يعرف أواخرها كما يعرف أوائلها . ولا من عجب فالشاعر طبيب والطب علم والعلم تفكير وتخطيط وبرمجة ثم تنفيذ.
سأكتب المقطع مع إهمال الكثير من النقاط التي حرص الشاعر على وضعها في الكتاب ولا أرى للغالبية العظمى منها أية أهمية.
[[ يا بنتُ ...
إنني أحبك ِ غيبا ً أتقمصهُ
نُزُلا ً حميداً أحبكِ حتى رأيتُ روحي في روحكِ إنتحارات الماء
أحبكِ ... توحّد ٌ ناجزٌ
توحّد ٌ سرمدي ٌّ
أحبكِ لدرجةِ أحسستُ فيها
أنني أموتُ
خَدَر ٌ تسرّب َ من الجنةِ فأبادَ كلَّ حواسي
... كان َ مهرُها أوزّة ٌ من زجاج ]] .

مقطع جميل مفعم ٌ بالإيحاءات والصور الشعرية مرسومة بريشة وضربات أصابع الشاعر لا بأصابعَ غيره من البشر . طبعات أو طمغات أصابعه واضحة تدل عليه وترسم في اللوحة كل ما فيه هو . أبعد المحب نفسه قليلاً عن محبوبته إذ خاطبها بالقول [[ يا بنتُ ]] ... خاطبها باللفظ غير المُعرَّف ... يا بنتُ بدل يا أيتها البنتُ مثلا ً . أفسر ذك بأته يتأهب لإحساس ماقد يقع من أذى أو فراق . وضع فضاء ً مكانيا ً بينه وبين رشا ، فسحة نفسية ـ مكانية خالية لكنها ليست من الفراغ على أية حال . بقعة محايدة قد يتدخل الزمن فيردم هوة المكان هذه فيلتئم الجمعان . للتصوف هنا حضور قوي جداً وهو إمتداد لما رأينا في مقاطعَ سابقة . يتكلم الشاعر هنا عن الغيب والنزول . ذكر الروح والتوحد ، بل والتوحد السرمدي . ثم ذكر الموتَ فتذكّر جنة حيث لا مست سقفها أقدامُ حبيبته في المقطع السادس .
جُل َّ المقطع الرابع عشر كلام مقتبس من الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكة ، وجد الشاعر فيه ما يتطابق مع أوضاعه النفسية وما في قلبه من حب ووجد الذي [[ من فرط خشيته من الفقدان ، يبدو عاجزا ً عن إمتلاك سعادته ]] ، هذا كلام ريلكة .

يبدأ فراق الشاعر لمن أحب في المقطع الثامن عشر وما بعده . مقابلة ستكون لا ريبَ طريفة . وجه الحياة الثاني الأسود في مقابل الوجه الأبيض . الفراق وما أقتله وأصعبه على قلوب المحبين !! ينقلب الشاعر حال العشق الإندماجي الصوفي بالمحبوب إلى حال اللاطم الباكي كأنها نهاية العالم . وضع في مقاطع الفراق كل حزنه وقنوطه وسواد لياليه فجاءت بالحق تعادل وتلغي آثار وتأثيرات سبعة عشر مقطعاً خصصها للحب والرومانس . سأختار أجزاءَ قصيرة من المقاطع 18 ـ 22 المتبقية لأنني لا أستطيع إحتمال ما جاء فيها من حسرات ثقيلة وهم وجزع . كيف ينهار الطبيب الجرّاح وفي مشارطه جراح ودماء البشر من مرضاه ؟ سأدمج الأجزاء القصيرة ببعضها ليكونَ وقعها أكبر وأشد إيلاماً .

[[ صمتٌ طاعنٌ في النيل ِ
مرةً أخرى في حجرتي ،
أُراني أعرّبدُ وحيداً
خفقتُ أنفثُ في أنايَ ماءَها
أُبلل كلَّ شيء ٍ حولي
غيرَ أنَّ الشمسَ تشرقُ بوهجٍ رتيب ٍ
تبخّرُ ما بقيَ منها
أرقدَ ... قفرةً أخرى
...
رائحةُ عُنقها في كوفيته ،
يتلثّمها فيموتُ سبع مراتِ ]] .

[[ مشهدُ جنازتي يمشي وراءها أعورُ الدجّال
كَفنٌ من غزل ِ دودةِ قز ٍّ خنثى ، يرفعُ رفاتَ أمنيتي الوحيدة ]] .
[[ يا إبنَ عُرْس !
ولتحرق النارُ ماءَ وجهكَ وألتمسُ ،
أعاودُ النكاية َ كلَّ فينة ٍ وضحاها
ليس لديَّ أية ُ حيلة ٍ أو وسيلة ٍ أو إحتمال
....
وبقاؤكِ المادي بعيدا ً عني
محضُ خطأ حسابي ٍّ فاحش
إنني أشكك في أهلية هذا الكون ِ للإستمرارِ حين تبتعدين عني ]] .

[[ حتى في إنحرافاتِ لا وعيي
في تباريحِ أحلامي
في أثير خَدَري ، على حافة الموتِ
لا يمكنُ لهبائي أنْ يحوم حول أُنثى سواها !
كم تخبّلني عندما تخرجُ عن النص بعفوية الحاذقة
...
وتبرأُ زجاجة ُ روحها
تترقرق ُ ( من جَد أحبكْ يا بعدْ عمري )
وأنا أبتهلُ إلى الله عشقك ِ
أنا أستحي إلى اللهِ عشقك ِ
فما قلبي غير صبخة ملح ٍ قد قحُلتْ
تنبتين منها كزهرة ِ توليب
تحبينني ... تحبينني بكل تلك القسوة ِ !
بقسوة ٍ ... تسحقني نفحة ُ روح ٍ خامدة ]].

[[ يدُكِ تُنسفني ،
قطرة ٌ منها بكاءُ الملائكة ِ
تُغرق ُ الكون َ
نبضة ُ حياتي تبدأ منّي وتنتهي في وريد عنقك ِ
أحبّك ِ في اللوحِ المحفوظ ِ ]] .

جموع ومرارة وموت لأكثر من مرّة . ذكريات الحبيبة لا تفارق مخيلة الشاعر . يتهيأ له أنَّ رائحة عنقها ما زالت عالقة ً أو متخللة ً نسيج كوفيته . لعلها جففت دموع الوداع بهذه الكوفية أو ألقت برأسها على كتفه والكوفية تتدلى على الكتفين عادة ً. الدموع تغرق المكان فيبتّل كل ُّ شئ حوله . كل شئ ... بينما وعد َ ( هاملت ) أمير الدنمارك مهددا ً أنْ يُغرقَ المسرحَ بالدموع ، المسرح وليس كل َّ شئ . ليتَ أمرَ شاعرنا ينتهي بالدموع حسبُ ، لكنا جففناها بمناديل الحرير بدل كوفيات القطن وواسيناه وخففنا عنه من وطأة مصابه. لكنه يرى نفسه إثر الفراق ميتا ً محمولاً في تابوت والأعور الدجّال أحدُ مشيعيه . ما رمز هذا الأعور بالنسبة لشريف الشاعر المقتول حبا ً ؟ هناك المسيح الدجّال في التراث المسيحي وهناك الأعور الدجّال في التراث الإسلامي الذي يعني المهدي المزيّف لا المهدي الحقيقي الذي ينهض في نهاية التأريخ لإحقاق الحق وإقامة العدل في الأرض . وكثرة أولئك الذين إدّعوا النبوة في سالف الزمان وكلهم كانوا عورا ً دجالين . هل هو أحد حاسديه أو شانئيه أو غرمائه أو إنه رجل بعينه لا يوده الشاعر ؟ لقد ذكره شريف بصيغة ( أعور الدجّال ) وهي صيغة مخطوءة في نظري .
يا إبنَ عُرس ٍ ! هكذا يرى الشاعر نفسه وقد فارق معشوقته . لا شئ . حيوان بائس بسيط من فصيلة الجرذان أو الفئران أو السناجيب يتنقل بين باسقات النخيل سعياً وراء رزقه . إستعار هذا الحيوان رمزاً لبؤس حاله وقد فارق االحبيب .
[[ مِن جَد أحبكْ يا بعد عمري / المقطع 21 في الصفحة 95 ]] . كررها للمرة الثانية فجاءت دافئة ً صادقة كما في المرة الأولى . يا بعد عمري ... تعبير شعبي جميل شائع على ما يبدو يضع الشاعر فيه كلَّ ما في قلبه من طاقات الحب والوفاء والحنين للمحبوبة . إنه بهذا المثال وغيره القليل من أمثاله في الكتاب سجل َّ الشاعر ماركات مسجّلة بإسمه ، براءات إختراع. يكتبها كأنه يغنيها والغناء طرب ٌ والطربُ أقصى درجات السرور . حبك َ ووفاؤك يدهشني يا شريف الشهراني وقد أبدعتَ في التعبير عنهما معا ً وبجدارة رغم صعوبة الموضوعات وعسرة الوسائل للتعبير عنها ، فالشعور بالشئ أمر ٌ والتعبير عنه بالألفاظ أمر ٌ آخر . هذه هي معضلة الشعراء ومحنتهم : كيف يحوِّلون مشاعرهم ورؤاهم إلى ألفاظ هي كلمات من حروف صائتة تلتقطها آذان ُ البشر وصوت الحرف ظاهرة فيزيائية محدد ة لكن َّ كيف مطابقته بالإحساس الذي لا يتكلم وليس له حروف مسموعة ... تلك هي المشكلة .
 



العزلة / الغربة / الفراغ / التشاؤم

بعد سياحتنا الطويلة مع ( رشا ) و ( إنتحارات الماء ) رأيتُ أن ألخّص َ أبرز دفائن روح الشاعر وهواجسه فوجدتهاُ تتلخص في : الشعور بالعزلة / الغربة / الفراغ / التشاؤم .
{ ثمّة َ أمرٌ آخرُ لا علاقة َ له بهذه الموضوعات ، أعني كثرة الإقتباسات وسأفرد له باباً مستقلاً } .
أذكر نموذجين قويين يعبران عن عمق روح التشاؤم في الشاعر ، جاء الأول كمقدمة لقصيدة ( إستسقاء لقلبي / الصفحة 68 ) . وضع هذه المقدمة بين أقواس لكنه لم يبين هل هي مُقتبسة عن غيره أم إنها خاصة به ؟
( على الرغم من دمعات ِ ناعمات ٍ ناعسات ٍ تترقرق ُ على وجنتيه ِ كلما إستقبل َ الكعبة ... إلا أنه لا يزالُ يعيش ُ غُربة ً مأساوية ً مع الله والكون ).
نفهم من هذا الكلام الشديد التركيز أن َّ الشاعر والإنسان فيه محافظان على أداء الشعائر والطقوس والواجبات المفروضة على الرجل المسلم . فهو يتجه صوب الكعبة لأداء فريضة الصلاة أو لأداء مناسك الحج أو العُمرة بخشوع وإبتهال وتواضع في حضرة خالقه ، ينتصب هذا المسلم المثالي وقد فرغ من صلاته ومناسكه أمامنا فجأة ً ليعلن بكل جرأة ووضوح أنه في شك ٍّ وإنه يشعر بالعزلة والبعد عن الكون!! صرخة عميقة خافتة الجرس رهيبة النتائج .

المثال الثاني على تشاؤمية هذا الشاعر وجدته كذلك كمقدمة وضعها لقصيدة ( تدليس الرتابة / الصفحة 101 ) . هذه المقدمة إقتباس حرفي من كولن ويلسون ( وما الذي يمكن أنْ نطلبه من هذا الكوكب الشقي الذي تتسكع فيه سوداويتنا وكآبتنا عدا الأفكار الشاحبة التي قد تساورنا عن هذه اللحظة ؟ ).
السوداوية والكآبة وشحوب الأفكار ... تلكم أعباء ثقيلة ينوء بها كاهل الشاعر المفكر الشاك المنقسم على نفسه بين مؤمن ومرتاب . الكآبة والسوداوية هما طبيا ً المالينخوليا التي يعرفها الأطباء قبل وأفضل من غيرهم
في كتاب ( مدن العزلة ) الكثير من الإشارات الدالة على الحزن والغربة والتشاؤم أجد كفايتي فيما قدمت ُ من أقوال للشاعر نفسه أو فيما قد إقتبسَ من سواه . وعنوان الكتاب ليس ببعيد عن مضمون هذه الأقوال والمقتبسات .
 



إقتباسات الشاعر


إذا بالغَ الشاعر المرحوم بدر شاكر السياب في تضمين شعره بالعديد من الأساطير القديمة وبالرموز القديمة والحديثة إسلامية ـ عربية وغيرها ... فإن َّ شريف الشهراني أكثر في كتاب ( مدن العُزلة ) من الإقتباسات وجلها قصير لحسن الحظ . الإقتباسات في نظري ديكورات وزينات تحسِّن أجواء القصيدة أو تعمّق إستيعابنا لها وتُضفي عليها مذاقا ً آخرَ ثم قد ترفع من مستواها الفني . ولكن ، تظل ُّ على قلبي يدي ... أخشى أن تُسيءَ بعضُ الإقتباسات غير المبررة لبناء القصيدة وخط سيرها العام وربما تعرقل نموها النفسي وتدرجها المنطقي في نفس القارئ فينكفئ على وجهه معها ويصاب بخيبة أمل . شريف كما يبدو لي واع ٍ لهذه النقطة ووجدته كثير الحذر في مسّه ِ لهذه الموضوعة ففيما يقتبس ذكاء وإختياراته ناجحة على الأغلب . لا يلصق شريف ما يقتبس من أقوال أو حِكم مأثورة وغيرهما لصقا ً على أديم قصيده ، إنما يجهد أن يقنع القارئ بعدالة ومنطقية وشرعية ما إقتبس . والكلام المقتبس هو جزء ها م ٌّ من نسيج وقماشة شعره سِدى ولحِمة ً مندمجا ً معه وذائبا ً فيه لا ملتصقا ً بالإكراه على سطوح القصيد . المقتبس إبن شرعي وليس ولد سفاح ( نغل ، هجين ! ) . أسماء مّن إقتبس َ منهم :
1 ـ جان بول سارتر / ص 9
2 ـ دوستييفسكي / ص 11
3 ـ أُنسي الحاج / ص 16
4 ـ قراءة لمقطوعة بحيرة البجع / قصيدة كسّارة البندق لجايكوفسكي / ص 17
5 ـ قراءة لمقطوعة عبد مارس / ص 18
6 ـ قراءة لمقطوعة كسّارة البندق / ص 20
7 ـ قول كان شائعا ً في القرون الوسطى معناه أنا مؤمن لأن َّ ذلك يُناقض العقل / ص 28 ... وهو ترجمة لأصل النص باللاتينية
8 ـ بيكيت / ص 29
9 ـ أحمد الملا ؟ / ص 34 ...
10 ـ المسيح / ص 39
11 ـ ت . س . إليوت / ص 40
12 ـ طاغور / ص 79
13 ـ سعد الدوسري ؟ / ص 82
14 ـ راينر ماريو ريلكة / ص 89
15 ـ من أغنية لرابح صقر / ص 92
16 ـ كولن ويلسن / ص 101
17 ـ بول لافورغ / ص 103
18 ـ حديث شريف / ص 105
19 ـ طاغور / ص 107
المجموع الكلي = 19 إحالة أو إقتباسا ً . كان الأفضل أن يترك الشاعر شروحاً مختصرة في آخر الكتاب لتعريف القارئ بأصحاب الأسماء الذين إستعار منهم بعض كلامهم ... أو في أواخر الصفحات حيثما يرد هذا الإسم أو ذاك . ليس كل الناس يعرفون طاغورا ً وبيكيت وكولن ويلسن وتوماس إليوت وجايكوفسكي وغيرهم من المفكرين والفلاسفة والكتاب والمطربين .
خشية أن تطول قراءتي لكتاب ( مدن العزلة ) سأذكر عناوين بعض القصائد الجيدة وأدعو القارئ إلى قراءتها فإنها تتميز الواحدة عن أخواتها الأخريات بأمور كثيرة فالشاعر شريف بُقنة الشهراني لا يكرر نفسه ولا موضوعات قصائده أبداً وهذه نقطة كبيرة أسجلها لصالحه . في كل قصيدة تجربة واحدة أو عدة لكنها كأغصان الشجرة تتفرع عن جذع مركزي واحد يمدها بالنسغ الصاعد وبالماء وأملاح التربة :
قصيدة ( أناشيد موت منفرد / ص 59 )
قصيدة ( بقية تكاثر / ص 99 )
قصيدة ( تدليس الرتابة / ص 101 ) .
لولا مخافتي أن يُصاب َ القارئ القصائد ففيها الكثير مما يُغري على قبول التحدي وخوض بالملل لحللت وشرّحت ُ هذه غُمار التجربة .

 

العودة الى الشاعر والتجربة >>

الرئيسية :: السيرة الذاتية :: الأعمال الأدبية :: الشاعر والتجرية :: مواقع الكترونية :: التواصُل

جميع الحقوق محفوطة لدى شريف بُقنه الشّهراني ©  2003 -2008