سأريك الخوف بحفنة من رماد[1]
ت س ايليوت (1888-1965)
T.S. Eliot
ترجمة وتقديم د.شريف بقنه
تقديم

توماس
ستيرنز إليوت (1888-1965) ولد في سانت لويس، ميزوري، من عائلة سكنت منطقة
ني نيو انجلاند[2] منذ القدم. درس في جامعة هارفارد وتخرج منها بإجازة في
الفلسفة، تابع دراسته بعد ذلك في السوربون، وهارفارد، وكلية ميرتو و
أكسفورد. استقر في إنجلترا، حيث كان لفترة من الوقت يعمل كمدرّس وموظف
بالبنك، بعد ذلك عمل كمحرر أدبي لدار نشر فابر اند فابر[3]، التي أصبح
مديراً لها في وقت لاحق. أسس إليوت وحرّر مجلة (كريتيريون[4]) الأدبية
لفترة سبعة عشر عام (1922-1939). في عام 1927 ، أصبح إليوت مواطنا
بريطانيا، في العام 1948 حصل على جائزة نوبل في الأدب.
إليوت كان واحدا من أكثر الشعراء جرأة و إبداعاً في القرن العشرين. سار
إليوت بمنهج شعري رصين يتمثل في رؤيته بأن الشعر ينبغي أن يستهدف تمثيلاً
حقيقياً لتعقيدات الحضارة الحديثة في اللغة وهذا التمثيل بالضرورة يؤدي إلى
صعوبة الشعر. على الرغم من صعوبة رؤيته إلا أن تأثيرها على الحركة الشعرية
اكتسح جميع التوقعات وقتها حتى اليوم. شعر إليوت بدءاً من في بروفروك
(Prufrock) 1917 إلى أربع رباعيات (Four Quartets) 1943 يعكس نضوجا
متسارعاً لشاعر شاب: أعماله المبكرة، وخاصة الأرض اليباب (1922) والتي
تصوّر عالماً تشاؤمياً وتنقل تعبيراً عن رعب مذهل يصاحب البحث عن عوالم
أخرى بعيدة. في أربعاء الرماد (Ash Wednesday)1930 و الرباعيات يصبح هذا
العالم أكثر وضوحا، و نرى إليوت بنكهة مسيحية في بعض أعماله مثل إعادة شمل
العائلة (The Family Reunion) 1939 بالرغم أنه دائما ما ينأى بنفسه أن يكون
شاعراً دينياً. في مقالاته ، ولا سيما المتأخرة منها يدعو ايليوت كثيراً
إلى الحفاظ على التقليد في المجتمع وكذلك في الأدب؛ الأمر الذي يتناقض مع
كتابته الأدبية الجريئة الرائدة في الخلق والتجديد. أما في ملاحظات حول
تعريف الثقافة (Notes towards the Definition of Culture) 1948 م نرى رجلاً
أكبر من الشاب كاتب الأرض اليباب غير أننا لا يجب أن ننسى أن تقليدية
إليوت هي كائن حي يضم داخله الماضي والحاضر في تفاعل مستمر و متبادل.

مختارات من أعمال ت س إليوت
الرجال الجوف | ت س إليوت (1925)
The Hollow Men | T. S. Eliot

Three Faces with Venus (The Hollow Men) by Joseph Donaldson
تقديم
الرجال الجوف
(1925) أحد أهم قصائد ايليوت، موضوعها كما الكثير من قصائد إليوت، متداخلة
ومفرّعة، ولكن من المتفق عليه أنها تتحدث عن حقبة ما بعد الحرب العالمية
الأولى في أوروبا و معاهدة فرساي[5] (التي يحتقرها إليوت) ، كما تتحدث عن
صعوبة الحفاظ على الأمل و تنقل أجواء من تحولات دينية وفلسفية ونفسيّة
عميقة وبحسب بعض النقاد فالقصيدة قد تنقل كذلك طقوس من زواج فاشل للشاعر.
(المترجم)
الرجال الجوف
ت س إليوت
ترجمة د.شريف بقنه الشهراني
Mistah Kurtz—he dead
ميستاه كورتز - بين عداد القتلى[6]
I
نحن الرجال الجوف
نحن الرجال المحشورون
نترنّح سويّة
مثل رؤوس من القش.
وحسرتاه
عندما نهسهس لبعضنا
بأصوات جذبه
نبدو بلا جدوى مدججون بالصمت
كريح تهب على عشب يابس
أو كأرجل فئران تسير على زجاج مكسور ..
في قبونا اليابس.
أشكالٌ بلا هيئة، وظلالٌ بلا لون
قوى مشلولة تومئ من دون أدنى حرَكة.
أولئك الذين عبروا
صوب مملكة الموت بجسارة
وﺃعين لا تنام،
يتذكرونا بعد ذلك
لكنهم لا يتذكروننا كأرواح متوهجة
ضلت عن الطريق
وإنّما كرجال جوف
رجال محشورون.
II
العيون التي لا أجرؤ على التحديق اليها في الأحلام ..
في مملكة أحلام الموت
هي ذاتها التي تغيب:
هناك، العيون
ضوء شمس ينسكبُ على عمود مكسور
هناك، الأشجار تتراقص
وثمة أصوات في الريح تغني ..
أصوات أكثر بعداً وأكثر وقاراً
من نجم يغيب
لا تدعني اقتربُ أكثر،
في مملكة حلم الموت
دعني أرتدي أيضاً
تلك الأقنعة التكهنية
من جلود الفئران وريش البوم ودمى الحقول
أحاكي الريح في حركتها
ولا اقتربُ أكثر..
وذلك ليس آخر اللقاءات
في مملكة الشفق الأحمر.
III
هذه هي الأرض الميّتة
هذه أرض الصبّار
هنا صوَر الحجر
تضرّع كفيّ رجل ميّت
تحت بريق نجم آفل ..
هل هي كذلك..
في مملكة الموت الأخرى
نسير فرادى
في تلك الساعة
وعندما نرتعش من الوجع الرقراق
الشفاه التي تُقبل
تجعلُ من المصلّين حجراً مهشماً.
IV
العيون ليست هنا..
لا توجد عيون هنا
في وادي النجوم الهالكة
في هذا الوادي الأجوف
هذا الفكّ المهشّم لممالكنا الضائعة.
في آخر ﺃماكن اللقيا
نجتمع سوية
نتجنب الحديث
نجتمع على شاطئ النهر المتورم.
العمى ..
إلا ﺃن تعود العيون للظهور
كنجم سرمدي
كزهرة تورّقت
في مملكة شفق الموت
لمجرد ﺃمل
لرجال فارغين.
V
ها نحن نحوم حول التين الشوكي
تين شوكي .. أيها التين
ها نحن نحوم حول التين الشوكي
منذ الخامسة فجراً
ما بين الفكرة والحقيقة
ما بين الحركة والفعل
يسقط الظل..
ملكوتك مملكتك.
ما بين التصوّر والخلق
ما بين الشعور وما بعد الشعور
يسقط الظل..
حياة ذات ﺃمد طويل ..
ما بين الرغبة والتشنج
ما بين القدرة والوجود..
ما بين الجوهر والانحدار
يسقط الظل
لملكوتك مملكتك.
لملكوتك
حياة ناجزة
ولملكوتك ..
على هذه الطريقة ينتهي العالم
على هذه الطريقة ينتهي العالم
على هذه الطريقة ينتهي العالم
ليس بصيحة مدوّية
وإنما بالأنين.
استهلالات
| ت. س. أليوت [7]
Preludes| T.S. Eliot | 1917
ترجمة د.شريف بُقنه الشهراني
I
المساءُ الشّتائي يستريح
برائحةِ الستيكِ في الممرَّاتِ.
السّاعةُ السّادسة.
أعقاب مُحترقة من أيام مُدخّنة
والآن ينهمر دُشٌّ عاصف
النّفاياتُ الوسخة
للأوراق الذّاوية حول قدميك
وصُحُف عَن أقدار خاوية؛
زخات العاصفة تَرُش
على الستائرِ الفاسدة وقدورِ المدخنةِ،
وفي زاويةِ الشارعِ
حصان أجرة وحيدِ يتململ وينفثُ البخّار.
بعد ذلك تضيءُ المَصابيحِ.
II
الصباحُ يستعيد وعيه
روائح البيرة تفوحُ شاحِبة موهنة
من شارع مغطى بنشارة الخشَب؟[8]
و بتلك القدم الموحلة التي تطأُ
حتّى طاولات القهوة المبكّرة.
بالتنكّر للآخر
ذاك الذي يستهلّه الوقت،
أحدُنا يتأمّل كل تلك الكفوف
التي ترفع ظلالاً قذرة
في ألف غُرفة مُؤَثَّثة.
III
رَميْتِ بطّانية من السّرير،
و ارتكزتِ على خاصرتك،
وانتظرْت؛
نعسْت، و شاهدْتِ الليلَ يُفشي
ألفَ صورة قذرة
لما تقمَّصْتّه روحك سلَفاً؛
خفقتِ باتجاه السّقف.
و عندما عادَ العالمُ قاطبة
وانسلّ الضوءُ من بين الدرَفات
و سمِعْتِ الزقزقات في البالوعات،
لديك الآن تلك الرؤية عن الشّارع
بينما الشّارع بالكاد يستوعب؛
أن تجلِسَ على طول حافةِ السريرَ،
حيث ضَفَرْتَ الصُحُفَ مِنْ شَعرِك،
أَو تحسّستِ حفا قدَمك الصفراءَ
بيديّك الملطّختين.
IV
تعلّقت روحه بشدّة عبر السماءِ
تلك التي تَخْفُت خلف كتلةِ مدينة،
أَو لعلّها سُحِقَت بأقدامِ فظّة
عند الرّابعة والخامسة والسّاعة السّادسة؛
وأصابع قصيرة تَحْشو الأنابيب،
وصُحُف مسائية، وعيون
متيقّنة من افتراضات محدّدة،
الضّمير لشارع ينفُدُ من القنوط
لن يتريّث و يتوقّع العالم.
إنني أحومُ بالصّخب الذي ينفتل
حول هذه الصورِ، ويتَدَلّى:
النّزوةُ لسرمديّة رقيقة
سرمديّة عناء لن يفنى.
كَفْكِف شِفاهك براحةِ يديك، واضحَك؛
تدُورُ العوالَمُ مثل امرأة أزليّة
تكوّم الوقود في الأقدار الخاوية.
[1] مقتبس من (الأرض اليباب) ت س إليوت
[2] ( New Engalnd) منطقة تقع في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة وتتكون
من 6 ولايات.
[3] publishing house Faber & Faber
[4] Criterion literary journal
[5] معاهدة فيرساي او اتفاقية فيرساي هي المعاهدة التي اسدلت الستار بصورة
رسمية على وقائع الحرب العالمية الاولى. وتم التوقيع على المعاهدة بعد
مفاوضات استمرت 6 أشهر عام 1919. ووقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب
العالمية الاولى من جانب، والجانب الآخر كان الجانب الألماني المهزوم في
الحرب في 28 يونيو 1919. وسمّيت بمعاهدة فيرساي تيمناً بالمكان الجغرافي
الذي تمّ فيه توقيع المعاهدة وهو مدينة فيرساي الفرنسية.(المترجم)
[6] Mistah Kurtz—he dead
ميستاه كورتز - بين عداد القتلى
مقتبس افتتح به ايليوت المخطوط الأصلي للقصيدة
ويعود الاقتباس لرواية قصيرة للروائي البولندي البريطاني جوزيف كونراد (قلب
الظلام) 1902 .(المترجم)
[7] T.S. Eliot/Preludes/1917 -T. S. Eliot, Prufrock and Other
Observations | London: The Egoist, 1917 Fisher Rare Book Library
[8] نشارة الخشب حيث كانت تستخدم لتنظيف الأرضية